إستراتيجية قسد المتوقَّعة بعد معركة حلب

خسرت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في 11 كانون الثاني/ يناير 2026 مناطق سيطرتها داخل مدينة حلب بشكل كامل، بعد وجود في حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود استمرّ 14 عاماً، منذ عام 2012 عندما سلّم نظام الأسد هذين الحيَّيْنِ لوحدات حماية الشعب (YPG) وهي الجناح المسلّح لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK) والتي تُعَدّ العمود الفقري لقسد. 

اضطرت قسد للقبول بالخروج الكامل من مدينة حلب، مع ظهور الموقف الأمريكي الداعم للحكومة السورية في بسط سيطرتها على حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود، مما يعني سقوط اتفاق 1 نيسان/ إبريل 2025، وبقاء اتفاق وحيد بين الحكومة السورية وقسد هو اتفاق 10 آذار/ مارس 2025، ومن المتوقع أن يتكرّر الموقف الأمريكي في دعم الحكومة السورية حال نشوب صدام عسكري بين الطرفين كما جرى في حلب، ولذا فمن المتوقع ألَّا تذهب قسد نحو خيار الصدام العسكري في مناطق شمال شرق الفرات، حيث يُتوقَّع بعد خروجها من مدينة حلب أن يتتابع خروجها من جميع مناطق غرب الفرات وجنوبه استناداً إلى الاتفاقات الأمريكية التركية وفق “خارطة منبج” عام 2018، والاتفاقات الروسية التركية عام 2019. 

من المتوقع أن تلجأ قسد لإستراتيجية جديدة غير المواجهات العسكرية المباشرة التي ثبت لها عدم وجود دعم دولي لها رغم انخفاض مخاطرها على تركيز التحالف الدولي على مكافحة داعش، فكيف في مناطق شرق البلاد حيث ما يزال التنظيم ينتشر فيها، ويشكل عامل تهديد يستمر تعامل التحالف الدولي معه كما حدث في آخِر عملية وقعت بالتزامن مع خروج قسد من حلب بتاريخ 10 كانون الثاني/ يناير 2026. تتضمّن إستراتيجية قسد المتوقَّعة بعد خسارة المعركة في مدينة حلب الخُطوات التالية: 

• الاستمرار في المفاوضات حول تطبيق اتفاق 10 آذار/ مارس 2025، حرصاً على إظهار الإيجابية أمام المجتمع الدولي، مع استمرار المماطلة ووضع العقبات والشروط الجديدة أمام تنفيذه، لمنع الدولة السورية من الدخول إلى مناطق شرق الفرات، ولعدم تسليم حقول النفط والغاز في سبيل استمرار تمويل عملياتها وعناصرها، وعدم تسليم المعابر الحدودية في سبيل استمرار إدخال السلاح والمقاتلين إلى الأراضي السورية وتهريب النفط عَبْرها. 

• الانتقال إلى إستراتيجية العمليات التخريبية مثل شنّ هجمات بالطائرات المسيَّرة على المنشآت العسكرية والمدنية على حدّ سواء، والتنصل من المسؤولية عنها باتهام داعش، أو بعناصر غير منضبطة أو منشقة عنها بها، وهي قد بدأت بذلك فعلياً عَبر ضربها مبنى المحافظة في حلب، وقد يتم استهداف المطارات المدنية مثل مطار دمشق وحلب لشلّ حركة الطيران وتهديد الملاحة في الأجواء السورية. ومن العمليات التخريبية المتوقَّعة أيضاً القيام بعمليات انتحارية، وزرع العبوات الناسفة، والسيارات المفخَّخة في الأماكن المزدحمة بالمدنيين لترويعهم، وتخريب محطات نقل الطاقة وخطوطها مثل الكهرباء والنفط، ومحطات إمدادات المياه وخطوطها، وغير ذلك من منشآت لضرب الاقتصاد وخلق أزمات في تقديم الخدمات الأساسية، ولإثارة التذمر من الحكومة وإظهارها بمظهر العاجز عن حفظ الأمن وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. 

• التساهل في مراقبة السجون التي تُؤوي عناصر داعش، والمخيمات التي تُؤوي عوائلهم بما يسمح بإمكانية هروبهم وانضمامهم إلى تجمُّعات التنظيم في البادية السورية، وتحميل الحكومة مسؤولية ذلك بذريعة انشغال قسد بالدفاع عن نفسها تجاه التهديدات القادمة من الجيش السوري. 

• ضمّ ميليشيات الهجري في السويداء، وفلول نظام الأسد في الساحل إليها، فهذه الأطراف الثلاثة تعلم بعد معركة حلب أنها لن تحصل على أيّ دعم دولي إذا استمرت في المواجهة العسكرية المباشرة مع الحكومة، وبذلك ستلجأ إلى مثل هذه العمليات التخريبية. 

بالمقابل، يُتوقَّع أن تتجه الحكومة السورية لمطالبة الولايات المتحدة بسحب جميع الأسلحة الثقيلة التي سلمتها لقسد خلال فترة مكافحة داعش، وطلب المساعدة في مراقبة الأجواء السورية بما يمنع قسد من استخدام الطائرات المسيرة، كما يُتوقّع أن تبادر الحكومة إلى إخلاء جميع مناطق غرب الفرات وجنوبه في محافظات حلب والرقة ودير الزور من أيّ وجود لقسد في عمليات شبيهة بعملية حلب، وبما يجعل نهر الفرات حاجزاً طبيعياً، وفرض رقابة مشددة على المعابر النهرية لمنع تسلُّل العناصر المخرِّبة إلى الداخل السوري. 

بالمحصِّلة، قسد باعتبار حقيقتها أنها حزب العمال الكردستاني (PKK) ذو الأيديولوجية الماركسية التي تؤمن بالعنف، وبما تسميه الكفاح المسلح الذي مارسته ضدّ تركيا لعشرات السنين، فإنها بعد فشل مشروعها السياسي الانفصالي في اقتطاع جزء من الأراضي السورية لإنشاء فيدرالية كردية خاصة بها شمال شرق سوريا، فإنها ستجعل من سوريا بدل تركيا مسرحاً لعملياتها التخريبية مستغِلّة ضعف الحكومة السورية بعد سنوات الحرب الطويلة التي مرت بها البلاد، مما يستدعي من الحكومة أن تضع من جانبها إستراتيجية مسبقة لمواجهة خُطوات قسد القادمة. 

  • Related Posts

    سوريا الجديدة: مسار الانتقال نحو دولة المؤسسات وسيادة ‏القانون

    تشهد سوريا منذ نحو عامين مساراً جديداً عنوانه الأبرز استعادة ‏الثقة بين المواطن والدولة، ‏وإرساء دعائم مؤسسات وطنية ‏تستمد شرعيتها وصلاحياتها من الدستور وسيادة القانون، وذلك ‌‏بعد عقود طويلة طمس خلالها النظام…

     700 مليون حبة و90 شبكة دولية.. كيف تفكك سوريا إمبراطورية الكبتاغون؟

     تواصل سوريا تفكيك إمبراطورية الكبتاغون التي خلفها نظام الأسد البائد، إذ كشفت الإحصاءات الرسمية ما بعد التحرير عن مصادرة حوالي 700 مليون حبة وتفكيك 90 شبكة دولية، لتنتقل البلاد من…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    قد فاتك المحتوي

    مباحثات سورية رومانية لتعزيز التعاون وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية

    مباحثات سورية رومانية لتعزيز التعاون وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية

    الرئيس الشرع يبحث فرص الاستثمار مع أعضاء غرفة التجارة الأمريكية ‏وممثلي شركات كبرى

    الرئيس الشرع يبحث فرص الاستثمار مع أعضاء غرفة التجارة الأمريكية ‏وممثلي شركات كبرى

    الشيباني: سوريا تختتم مشاركتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة

    الشيباني: سوريا تختتم مشاركتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة

    مصر وسوريا تتفقان على منتدى استثماري

    مصر وسوريا تتفقان على منتدى استثماري

    المالية والمصرف المركزي وهيئة الاستثمار تبحث مع وفد اقتصادي أمريكي فرص الشراكة

    المالية والمصرف المركزي وهيئة الاستثمار تبحث مع وفد اقتصادي أمريكي فرص الشراكة

    وقفةٌ أمام مجلس الأمن للتنديد بدخول نتنياهو غير الشرعي إلى الأراضي السورية

    وقفةٌ أمام مجلس الأمن للتنديد بدخول نتنياهو غير الشرعي إلى الأراضي السورية

    العداء ‏السوري هادي عباس يحرز الميدالية الفضية في البطولة العربية لألعاب القوى

    العداء ‏السوري هادي عباس يحرز الميدالية الفضية في البطولة العربية لألعاب القوى

    السعودية تدين استهداف مليشيا الحوثي أعياناً مدنية على أراضيها

    السعودية تدين استهداف مليشيا الحوثي أعياناً مدنية على أراضيها

    زيلينسكي: موسكو أبدت استعداداً لاستئناف المفاوضات وواشنطن تقترح خفض ‏التصعيد شتاء

    زيلينسكي: موسكو أبدت استعداداً لاستئناف المفاوضات وواشنطن تقترح خفض ‏التصعيد شتاء

    القائم بأعمال السفارة السورية في برلين يشارك في حفل الاستقبال السنوي MENA Reception

    القائم بأعمال السفارة السورية في برلين يشارك في حفل الاستقبال السنوي MENA Reception

    ترجيح غرق سفينة شحن تركية بعد تصادمها مع ناقلة نفط في بحر مرمرة

    ترجيح غرق سفينة شحن تركية بعد تصادمها مع ناقلة نفط في بحر مرمرة

    وزير الطاقة الأمريكي: إنتاج نفط فنزويلا سيتضاعف خلال سنوات

    وزير الطاقة الأمريكي: إنتاج نفط فنزويلا سيتضاعف خلال سنوات
    Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com