أعاد انهيار المبنى السكني في حي العامرية مؤخراً فتح واحد من أخطر الملفات الخدمية والإنسانية المؤجلة في مدينة حلب، وهو ملف المباني المتضررة والآيلة للسقوط في أي لحظة، في مشهد يعيد إلى الأذهان سلسلة حوادث مشابهة شهدتها الأحياء الشرقية خلال السنوات التي تلت سيطرة قوات النظام المخلوع على كامل المدينة أواخر عام 2016، حين تسببت انهيارات عدة بمقتل العشرات من الأهالي ودفعت كثيرين للعيش تحت تهديد دائم داخل منازل فقدت مقومات الأمان الإنشائي.
وتعود جذور هذه الأزمة إلى سنوات القصف المكثف الذي تعرضت له أحياء حلب بين عامي 2012 و2016 من قبل قوات النظام المخلوع والقوات الروسية والإيرانية، حيث ألقيت مئات وربما آلاف الأطنان من القنابل والمواد المتفجرة على مناطق سكنية مكتظة عمرانياً، ما خلف أضراراً بنيوية عميقة في آلاف الأبنية.
ولم تقتصر الأسباب على آثار القصف المباشر، بل تفاقمت بفعل تضرر شبكات الصرف الصحي ومياه الشرب وحدوث تسريبات مستمرة أضعفت قواعد وأساسات المباني، وأتى الزلزال الذي ضرب حلب في العام 2023، إلى جانب الانتشار الواسع للأبنية العشوائية والبناء الجديد الغير مطابق للمواصفات الفنية، كذلك عمليات الترميم وإعادة التأهيل التي جرت في كثير من الأحيان بشكل غير مطابق للمواصفات الفنية، في ظل فساد مجلس مدينة حلب في الفترة الممتدة فيما بعد العام 2016 وحتى نهاية عام 2024 تقريباً، قبيل سقوط النظام المخلوع.
وبعد التحرير ومع عودة الأهالي النازحين واللاجئين في دول الجوار إلى كثير من تلك الأحياء واستقرار السكن في مبان متصدعة من دون تقييم هندسي حقيقي أو خطط معالجة شاملة، تتجدد المخاوف من تكرار سيناريوهات الانهيار في أي وقت، في مدينة تضم أكثر من 70 حياً تعرضت بنسب متفاوتة للدمار، وسط غياب خرائط دقيقة للمباني الخطرة، وضعف إجراءات السلامة العامة، وتراجع القدرة على التدخل الوقائي قبل وقوع الكارثة.
في هذه المادة، يسلط موقع تلفزيون سوريا الضوء على مشكلة المباني السكنية المتضررة والآيلة للسقوط في حلب، محاولاً تتبع أسبابها، وحجم المخاطر التي تهدد السكان، والبحث في مسؤولية الجهات المعنية عن معالجة هذا الملف قبل أن يتحول إلى سلسلة مآس جديدة.
حادثة حي العامرية
يقع حي العامرية في القسم الجنوبي الشرقي من مدينة حلب، بمحاذاة أحياء المشهد وصلاح الدين، ويشرف مباشرة على دوار الراموسة والمنطقة الصناعية، في موقع جغرافي جعل منه واحدة من أكثر النقاط حساسية وخطورة على مدى سنوات الثورة السورية، فالحي يطل على المحلق الذي كانت تعبره تعزيزات قوات النظام المخلوع وحلفائه، ويجاور منطقة انتشار الكليات العسكرية، الكلية الفنية الجوية وكلية التسليح وكلية المدفعية، ما جعله هدفاً دائماً للقصف ومحوراً لأعنف الاشتباكات على مدى سنوات.
مصادر محلية من داخل حي العامرية أكدت لموقع تلفزيون سوريا، أن القصف الجوي لقوات النظام المخلوع وروسيا استهدف بشكل مباشر الكتل السكنية الطرفية وعمق الحي، متسبباً بدمار واسع في البنية العمرانية، والأبنية التي لم تنهَر بالكامل خرجت من دائرة الأمان الإنشائي، وتعرضت لتصدعات خطرة جعلتها مع مرور الوقت أقرب إلى قنابل صامتة مهددة بالسقوط في أي لحظة، ولم يتوقف الضرر عند آثار القصف المباشر، بل امتد ليطال شبكات الصرف الصحي ومياه الشرب وشبكات تصريف مياه الأمطار، التي تعرضت لتخريب كبير منذ عام 2012 وحتى اليوم، ما تسبب بتسريبات مستمرة أضعفت قواعد وأساسات العديد من المباني.
وبحسب المصادر، حي العامرية يمكن أن يطلق عليه الحي المنكوب فعلاً، فبرغم سيطرة النظام المخلوع على كامل أحياء حلب خلال العملية العسكرية التي شنها أواخر عام 2016، إلا أن يد الإصلاح لم تمتد إلى حي العامرية بالشكل المطلوب في السنوات التالية، وشهد الحي عودة جزئية للأهالي، في حين بقي القسم الأكبر من الأبنية فارغاً ومهجوراً، في ظل غياب أعمال ترميم حقيقية أو تقييم هندسي شامل يحدد الأبنية الصالحة للسكن من تلك الآيلة للسقوط.
يقول أبو محمد، أحد سكان الحي العائدين إلى منزله قبل سنوات لموقع تلفزيون سوريا: “نسكن ونحن لا نشعر بالأمان، الجدران متشققة، والسقف تظهر فيه شروخ واضحة، وكل شتاء نخاف أن تتوسع التصدعات بسبب الرطوبة وتسرب المياه، لا أحد جاء ليكشف على البناء أو يخبرنا إن كان صالحاً للسكن أم لا”، ويشير إلى أن “الصرف الصحي مسدود منذ سنوات، والمياه تتسرب تحت المبنى، نعرف أن هذا خطر، لكن لا نملك خياراً آخر، إما أن نسكن هنا أو نعود للنزوح”، ويضيف موضحاً تفاصيل المبنى المنهار مؤخراً: “المبنى كان متضرراً بشكل كبير، وكل العائلات التي تملك شققاً فيه أخلته منذ سنوات، ولكن إحدى العائلات قررت العودة إليه، وأجرت بعض الترميمات الجزئية حتى تتمكن من السكن، يبدو أن هذه الترميمات العشوائية ومن دون تراخيص زادت الطين بلة، وانتهى الأمر بالانهيار”.













