«أمي فاطمة زيدان، اشتقت إليك»، عبارة يتركها يوسف على جدار سجن تدمر، تختصر جانباً من الوجع الذي تستعيده الكاتبة السورية إخلاص هنو في روايتها «غريب صيدنايا».
خلف هذه الكلمات إنسان يتمسك بصلته بأمه، ويحاول الاحتفاظ بما تبقى من حياته خارج القضبان.
تتابع الرواية رحلة يوسف، الذي يغادر منزله إثر خلاف عائلي ويتجه إلى بيروت، حيث يعمل حارساً ويعيش حنينه إلى والدته، قبل أن يدخل في مرحلة جديدة من حياته يُطلب خلالها تغيير اسمه وهويته، فيصبح «مصعب أبو عمار»، لتتسع المسافة بين حياته الجديدة وماضيه.
بعد اعتقاله في بيروت ونقله إلى تدمر، ثم إلى سجن صيدنايا العسكري، تتخذ غربته معنى أشد قسوة، تتراكم سنوات الاعتقال، وتتآكل صلته بأسرته، حتى تصبح معرفة الإنسان بأقرب الناس إليه مهددة بالضياع.
حين يباعد السجن بين الأخوين
تتحول العبارة المكتوبة على الجدار إلى خيط للبحث، عندما يقرؤها شقيقه أنور ويحاول الوصول إليه، ويبلغ الفقد ذروته في سجن صيدنايا، حين يلتقي الأخوان من دون أن يتعرف أحدهما على الآخر، يشعر يوسف بألفة غامضة تجاه الرجل الذي أمامه، ثم يكتشف هويته عند سماع اسم أنور يُنادى استعداداً لإعدامه.
تمنح هذه المفارقة معاناة الاعتقال بُعدها الإنساني: أخوان يجمعهما المكان بعد سنوات من الانقطاع، ويقف الزمن وتغيّر الهوية بينهما، ومن خلال علاقتهما، تتناول الرواية أثر السجن في الروابط العائلية وفي قدرة المعتقل على استعادة حياته السابقة.
وفي مقابل هذا الفقد، ترافق يوسف في مخيلته نبتة صغيرة، تذبل مع حزنه وتخضر مع تمسكه بالأمل، وتحمل النبتة تقلب حالته النفسية، وتمنح رغبته في الحياة صورة قريبة من القارىء، أما الكتابة على الجدار فتحفظ الاسم والحنين، وتترك أثراً يستطيع الآخرون تتبعه.
الكتابة مسؤولية تجاه الذاكرة
للحديث عن الرواية، قالت إخلاص هنو في تصريح لـ«سانا»: «جاءت فكرة رواية غريب صيدنايا من إحساسي العميق بكوني سورية، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ تتصل بالمعاناة والفخر والحب والانتماء».
وأوضحت أن شهادتها على جانب من الوجع السوري حمّلتها مسؤولية نقله عبر الأدب، وأضافت: «حين نكتب عن الحرب وما خلّفته من أوجاع، فإن الأدب هنا صرخة أمل، ومحاولة للعبور بالإنسان من الألم نحو الخلاص، أما بعد الخلاص، فتتغيّر مهمة الأدب، ويصبح التوثيق وحفظ الذاكرة، بكل ما تحمله من ندوب، ضرورة حتى لا تضيع التجربة الإنسانية والوطنية».
وربطت هنو عنوان الرواية بغربة يوسف التي تبدأ قبل السجن وتمتد إلى علاقته بذاته وهويته، موضحةً أن العمل يتناول تداخل الذاكرة الفردية مع ذاكرة المجتمع والمكان، وأكدت أن رسالتها «إنسانية خالصة، تنطلق من كل ما يمس وجدان الإنسان وحقوقه وألمه وجماله»، وأن الأمل والإيمان بإمكان بناء مستقبل أفضل للوطن والإنسان يشكلان جوهر العمل.
في نهاية الرحلة، يرى يوسف في حلمه شجرة خضراء ضخمة تسبق خروجه من السجن، تتسع صورة الحياة من نبتة صغيرة إلى شجرة، بينما تبقى خساراته حاضرة، أمٌّ رحلت بعد انتظار طويل، وأخ فقده، وسنوات لا تعود، وتترك الرواية القارئ أمام السؤال الذي يحمله الناجي معه كيف يبدأ حياته من جديد، وهو يحمل كل هذا الخسارات.
نبذة عن الرواية والمؤلفة
رواية «غريب صيدنايا» صادرة عن دار نينوى للدراسات وللنشر في دمشق 2026، وتقع في 214 صفحة من القطع المتوسط.
أما إخلاص هنو فهي كاتبة سورية تهتم في أعمالها بالإنسان والذاكرة والمكان، وبأثر التجارب القاسية في حياة الأفراد والمجتمع، وتتناول قضايا الغربة وفقدان الهوية عبر سرد قصير ومكثف، وتستخدم النبتة والشجرة والكتابة على الجدار رموزاً للألم والتمسك بالحياة والأمل، وسبق لها إصدار رواية «فجر»، التي تشترك معها في الاهتمام بالتجربة الإنسانية وما تتركه لحظات الانكسار والتحول في الذاكرة.














