تُمثل المجالس البرلمانية المُشكلة في المراحل الانتقالية ركيزة أساسية لمنع الفراغ السياسي وإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. وفي السياق السوري الراهن، يكتسب مجلس الشعب الانتقالي أهمية استثنائية بوصفه نقطة التقاطع الحساسة بين إرث مرحلة سابقة مثقلة بالتحديات، وبين ضرورة تأسيس نظام ديمقراطي مستدام يستند إلى دستور دائم. لا تقتصر وظيفة المجلس على الأطر التشريعية التقليدية، بل تمتد لتشمل مهام تأسيسية تؤسس للمشروعية الوطنية الجديدة.
خلاصة تحريرية: يُنظر إلى البرلمان الانتقالي في الأدبيات الدستورية الحديثة باعتباره “صمام أمان” يمنع انزلاق البلاد نحو الفراغ المؤسساتي، ويمهّد الطريق بحذر نحو الاستحقاق الدستوري الأكبر.
يتميز مجلس الشعب في هذه المرحلة بخصائص دستورية فريدة تختلف جذرياً عن المجالس السابقة من حيث التكوين والصلاحيات:
- الطبيعة التأسيسية: اضطلاع المجلس بصياغة وإقرار القواعد القانونية المؤقتة الناظمة لمرحلة الانتقال، بما يشمل قوانين الانتخابات المؤقتة، تنظيم الأحزاب السياسية، وإرساء أسس العدالة الانتقالية.
- الشرعية المزدوجة: دمج فريد بين الشرعية الناشئة عن مسار التغيير الوطني وبين الآليات التمثيلية، مما يمنحه الأهلية السياسية لإقرار الإعلانات الدستورية والتمهيد لصياغة الدستور الدائم.
- الإطار الزمني والولائية: تقييد ولاية المجلس بمدد زمنية محددة لضمان عدم تمدد المرحلة الانتقالية، وربط نهايتها بإنجاز الاستفتاء الشعبي على الدستور الدائم.
تقتضي طبيعة المرحلة الانتقالية هندسة دقيقة لجدول أعمال البرلمان، تتوزع بين متطلبات البنية التحتية للمؤسسة التشريعية وبين سن التشريعات الوطنية الكبرى التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر وتؤسس للإصلاح الاقتصادي والإداري.
- 30 شهراً: المدد الولائية المقترحة للمرحلة الانتقالية.
- الدستور الدائم: الغاية الاستراتيجية الكبرى للمجلس.
يواجه النواب تحت قبة البرلمان حزمة من التحديات الجسيمة التي تمتحن قدرتهم على الاستقلالية والتأثير الفعلي في مجرى الأحداث. من أبرز هذه التحديات:
- إرساء استقلالية السلطة التشريعية: ضمان عمل المجلس بمنأى عن أي تغول تنفيذي، وتكريس مبدأ خضوع الأجهزة الحكومية للمساءلة البرلمانية والشفافية.
- تجاوز الإرث المؤسساتي: إعادة بناء الثقة الشعبية بالمؤسسات البرلمانية بعد عقود من تفريغها من مضمونها الحقيقي، وتحويل قبة البرلمان إلى فضاء نقاش وطني حيوي.
- معالجة التركة الاقتصادية والأمنية: سن قوانين دقيقة لإعادة هيكلة المؤسسات وضمان حياديتها واستقلالها القضائي والإداري.
لضمان نجاح التجربة البرلمانية الانتقالية وتحقيق أهدافها التاريخية، تؤكد الدراسات الدستورية على ضرورة الالتزام بالشفافية المطلقة، تفعيل أدوات الرقابة الفاعلة كاستجواب الحكومات واستقصاء الحقائق، وإشراك أوسع شريحة من الكفاءات المجتمعية والقانونية في صياغة القوانين المفصلية والدستور الدائم لضمان استقرار طويل الأمد.














