بعد أربعة عشر عاماً على مجزرة داريا الكبرى، لا تزال ذاكرة الضحايا حاضرة في شهادات أهل المدينة وناشطيها، بينما تتقدم أسئلة الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر بوصفها جزءاً من حق العائلات في العدالة، ومن مسؤولية الثقافة في حماية الذاكرة من النسيان.
وفي هذا السياق، أقام اتحاد الكتاب العرب فرع ريف دمشق اليوم الأربعاء ندوة ثقافية بعنوان “بين مجزرة داريا وثورتها.. عهد مهر بالدم”، بمشاركة شعراء وناشطين ومثقفين، استعادوا عبر الكلمة والشهادة والصورة فصولاً من تجربة المدينة، وناقشوا دور التوثيق الثقافي والقانوني في حفظ حقوق الضحايا.
الذاكرة بوابة إلى عدالة الضحايا

وأكد رئيس اتحاد الكتّاب العرب أحمد جاسم الحسين أن توثيق قصص الضحايا والمجازر التي شهدتها سوريا مسؤولية ثقافية وأخلاقية، مشيراً إلى أن وراء كل ضحية حكاية إنسانية ينبغي أن تحفظ للأجيال المقبلة.
وأوضح الحسين أن الاتحاد أطلق برنامج العدالة الانتقالية الثقافية بوصفه مشروعاً بعيد المدى يواكب مسار العدالة الانتقالية عبر ثلاثة محاور هي الاعتراف والاعتذار وجبر الضرر.
ويركز البرنامج، وفق الحسين، على جمع شهادات المعتقلين والضحايا والمتضررين من الانتهاكات وتوثيق سيرهم وقصصهم في كتب وأعمال ومشاريع تحفظ ذاكرتهم، انطلاقاً من أن بناء دولة القانون والعدالة يرتبط أيضاً بصون حقوق الضحايا وعدم تغييب أصواتهم.
شهادة ناجٍ من قلب داريا
ومن الذاكرة العامة إلى التجربة الشخصية، أعاد الناشط الصحفي تمام جنح أبو الخير الحاضرين إلى الأيام التي سبقت المجزرة وما رافقها من حصار وقتل ومعاناة، مستذكراً مشاهد قال: إن عشرات الأبحاث والأفلام الوثائقية لم تمكنه من الإحاطة بحجمها.
وأضاف أبو الخير: “بعد أن ارتكب النظام البائد المجزرة خرجت إلى شوارع المدينة، وشعرت للحظات بأني الناجي الوحيد، قبل أن تتكشف أمامي تباعاً، أسماء الضحايا والعائلات التي فقدت أبناءها”.
واستذكر أبو الخير في الوقت نفسه حالة التضامن التي عاشتها المدينة، وتكاتف الأهالي في إسعاف المصابين، وإخلاء المرضى والأطفال ومساعدة بعضهم بعضاً، في مشهد بقي بالنسبة إليه جزءاً من ذاكرة داريا، إلى جانب مشاهد الفقد، معتبرا أن ما عاشته آلاف العائلات من قتل واعتقال وانتهاكات يجعل الوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة استحقاقاً لا ينفصل عن حفظ تلك الشهادات ومنح أصحابها مكانهم في الذاكرة العامة.
الشعر يحمل وجع المدينة وأملها
وحضرت الذاكرة بلغة أخرى خلال الندوة التي أدارها رئيس فرع ريف دمشق في اتحاد الكتّاب العرب زهير هدلة، إذ ألقى الشاعر تمام طعمة قصيدته “ابن الكروم” التي أبّن فيها ضحايا المجزرة واستعاد مشاهد الحصار والدمار، مقابلاً بين الموت والحياة والهدم والبناء، في رؤية شعرية تمسكت بالأمل وسط الألم.
ومن تجربة التهجير، استحضرت الشاعرة لميس الرحبي خروج أهالي داريا من مدينتهم المحاصرة، مشيرة إلى أنهم غادروا إلى أماكن لم يعرفوا عنها إلا أسماءها، لكنهم حملوا معهم وعد العودة الذي ظل حاضراً في ذاكرتهم وانتقل إلى أبنائهم.
وأكدت الرحبي أن حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة والمحاسبة لا تسقط بمرور الزمن، وأن العدالة الانتقالية ينبغي أن تضمن حقوق الضحايا وأسرهم، حيث لا تتحول استعادة الماضي إلى مجرد ذكرى، بل إلى طريق يمنع ضياع الحقوق.
من الذاكرة إلى مسار العدالة
ووضع الناشط حسام اللحام قضية التوثيق في إطارها القانوني، مشيراً إلى أن تجربة داريا لم تبدأ بالمجزرة الكبرى، بل سبقتها منذ انطلاق الثورة اعتقالات وعمليات قتل وحراك مجتمعي ومدني واسع، ميّز المدينة ومبادرات أهلها.
ودعا اللحام إلى بناء مسار قانوني واضح لملف مجزرة داريا، يقوم على جمع الوثائق والشهادات وحفظها بصورة منهجية ضمن ملف يمكن الاستناد إليه في مسارات العدالة والمحاسبة، مؤكداً أهمية تعاون المؤسسات المعنية، ولا سيما وزارة العدل، ودور الإعلام في نقل القضية من مساحة الاستذكار إلى مساحة التوثيق القانوني.
واختتمت الندوة بعرض مادة فيلمية وثقت جانباً من الحياة اليومية في داريا والمأساة التي عاشها أهلها، وتناولت دور إعلام النظام البائد في تشويه صورة الحراك السلمي وتبرير العنف بحق المدنيين.
وتعود أحداث مجزرة داريا إلى أواخر آب عام 2012، حين شهدت المدينة ومحيطها عملية عسكرية واسعة شنتها قوات النظام البائد، وسبقها قصف وأعقبتها عمليات قتل، بينما وثقت تقارير حقوقية دولية إعدامات وعمليات قتل طالت مدنيين خلال العمليات التي شهدتها مدينتا داريا ومعضمية الشام بين الـ20 والـ26 من ذلك الشهر.














