تنتشر في تركيا صور مؤسس الدولة الحديثة كمال أتاتورك. وعلى الرغم من تقدير يحظى به السلطان عبد الحميد الثاني في أوساط كثيرة، خصوصاً مع موقفه التاريخي من رفض التنازل عن فلسطين، من النادر أن يجد أحد صورته خارج القصور والمزارات السياحية… لماذا لم يكن بالإمكان على سبيل المثال الجمع بين الشخصيتين أو المساواة بينهما، أي الجمع بين الصورة والمكانة الرمزية، التي يمثلها السلطان عبد الحميد، آخر حاكم فعلي للإمبراطورية، وشخصية أتاتورك، الذي ارتبط اسمه بتأسيس الدولة التركية بحدودها ومبادئها الحالية؟
الحقيقة أن الأمر أعقد من ذلك، والجمع بهذه الطريقة البسيطة غير ممكن، لأن كلاً من الشخصيتين المهمتين يرمز إلى وجهة وعالم مختلفين. في عقل الجيل الجديد من الأتراك، يرمز عبد الحميد إلى لحظة الأفول والضعف، التي كانت فيها السلطنة قد سلّمت زمام أمرها بالفعل للقادة الأوروبيين ليتحكّموا في مصيرها وليساعدوها في تحديد أولوياتها. ربما لا يكون هذا خطأ عبد الحميد بقدر ما أنه ترتيب الأقدار، التي جعلته يتسلم الدولة في أضعف حالاتها، مثقلة بالديون ومحاصرة بالتململ الشعبي.
لم يكن عبد الحميد يملك إلا أن يعطل عجلة التحديث المتسارعة، التي كان يرى أنها تريد أن تربط شعارات الديمقراطية والدستور بتشجيع النزعات القومية. كان يخشى أن يقود هذا الاتجاه إلى تفكيك البلد، وتحريض أقاليم كثيرة على الانفصال. في الوقت نفسه، كان ذلك التعطيل يثير نقمة النخبة الجديدة، التي كان تأثّرها بأوروبا يدفعها إلى الضغط في اتجاه تقليدها في طريقة حكمها. كان يصعب على هذه النخبة أن تستوعب أن هذه القيم الأوروبية لم تكن سوى مجرّد فخ يُراد إيقاع السلطنة فيه لإضعافها، عبر إلغاء الهوية الجامعة، والتركيز على هويات إثنية أو مناطقية.
يرمز عبد الحميد إلى لحظة الأفول والضعف، التي كانت فيها السلطنة قد سلّمت زمام أمرها بالفعل للقادة الأوروبيين ليتحكّموا في مصيرها
بالنسبة للمجموعات السياسية، التي ستتمكّن لاحقاً من تحديد مصير الإمبراطورية، لم يكن عبد الحميد سوى مستبد. ربما كان بعضهم يعلم أن مخاوفه واقعية، وأن مجلساً تقسم فيه الدوائر وفق الجغرافيا قد يكون توطئة للانقسام، لكن ترويج فكرة الحاكم المتسلط، الذي أراد أن يفرض رأيه، وأن يحتكر الحكم، كان مفيداً من أجل طرح المطلب الصعب المتعلق بضرورة تنحيته لأجل مصلحة البلاد.
كان عبد الحميد محاطاً بالأعداء، ليس فقط في الخارج، حيث الدول الأوروبية، التي تتطلع إلى أخذ قطع من بلاده، ولكن أيضاً في الداخل، بل في البلاط نفسه، ما جعله يخوض عدة معارك في وقت واحد ويخسرها تباعاً. خسر معركة الحروب الخارجية، ففقدت بلاده امتداداتها الأوروبية، حتى إن التهديد كاد يصل إلى عاصمته إسطنبول، كما خسر معركة التعاطف الشعبي، حيث بدأ يوصف بالمستبد العنيد وغير المستعد للاستماع لأصوات الناس.
يُشيد مؤرّخون بعقلية عبد الحميد، وبنجاحه في أن يحافظ على البلاد وقتاً طويلاً، عبر إجادة القفز بين الحبال السياسية، وفهم المعادلات الدولية في زمانه، بما يجعله يستغل تناقضاتها في صد خطر كل من الروس والأوروبيين، إلا أنه لا يمثل في الذهن التركي المعاصر مع هذا إلا صورة الحاكم الدرويش، الذي حتى وإن وصفه بعضهم بأنه كان طيب القلب، إلا أنه، بنظر معاصرين كثيرين، كان يحمل ذلك النوع من الطيبة، الذي يمنع من ممارسة السياسة بشروط السياسة، ما يسهل خداع صاحبها. ربما يحدث هذا لأن أعداءه نجحوا في فرض تصوّرهم لشخصيّته، عبر التركيز على إخفاقاته، وما حدث منه من سوء تقدير، على غرار تصديقه أن الاقتراب من الأوروبيين قد يدفعهم إلى مساندته ضد الخطر الروسي.
صورة أخرى ارتبطت في الذهن الشعبي بشأن عبد الحميد، صورة السلطان، الذي يخاف من شعبه، ويخشى أن يتآمر مواطنوه عليه. هذه العقدة مفهومة لشخصٍ كان شاهداً على ما حدث لمن سبقه من السلاطين من عزل واغتيال. هذه العقدة جعلته يركز على الجانب الأمني وعلى نشر العيون، التي تنقل له ما يدور خارج القصر الذي نادراً ما كان يخرج منه، إلى درجة أن العامة كانوا يطلقون عليه تندّراً حبيس القصر.
لا نكاد نسمع أحداً من السياسيين المعاصرين يتحدّث عن عبد الحميد، ولكننا نسمعهم يتحدّثون عن إرث أتاتورك، الذي يمثل بالنسبة لهم الزعيم الذي منحهم العزّة والكرامة والاستقلال.
صحيح أن هذا الجانب الأمني لم يقد إلى قمع عنيف، إلا أن مجرد محاولة عبد الحميد السيطرة على المجال العام كانت تُشعر آلافاً من أبناء الجيل المتمرّد الجديد، الذين كانوا يتلقون تعليماً غربياً، وكانت أعينهم تهفو للحرية على طريقة المثال الأوروبي، بالضيق.
كان أعداء عبد الحميد ومنافسوه عازمين على تشويه صورته وإظهاره بمظهر السلطان الضعيف الفاشل. في سبيل هذا، كان يحدث إغفال متعمّد لحقيقة نجاحه في التلاعب، ليس فقط بالدول الكبرى، التي كانت تتنافس لقضم ما تستطيع من أراضيه، ولكن حتى بشخصيات مهمّة، مثل مؤسس الصهيونية ثيودور هرتزل، الذي انتظر وقتاً طويلاً كي يستجيب السلطان لطلبه بشأن منحه أرضاً لليهود في فلسطين. كان هرتزل خلال وقت انتظار هذا الرد يعمل ما في وسعه باتجاه إظهار حسن نياته، فيدافع عن المصالح العثمانية، ويساند السلطان في حربه ضد اليونان بالدعم اللوجيستي والإعلام طمعاً في كسبه لصفه.
في المقابل، كان أتاتورك يمثل الصورة الموازية والزعيم القوي، الذي نهض ببلاده، في مقابل صورة السلطان، الذي كان لا يستطيع أن يتحدى القوى المتربصة، ولا أن يحتفظ بكامل سلطنته، لهذا لا نكاد نسمع أحداً من السياسيين المعاصرين يتحدّث عن عبد الحميد، ولكننا نسمعهم يتحدّثون عن إرث أتاتورك، الذي يمثل بالنسبة لهم الزعيم الذي منحهم العزّة والكرامة والاستقلال.














