فورين أفيرز: بوادر أزمة تلوح في سوريا

بعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، تبدو سوريا وكأنها تقف على مفترق طرق حاسم. فالدولة التي خرجت سريعًا من العزلة الدولية، وحصدت دعمًا سياسيًا وماليًا غير مسبوق، ما تزال في الداخل عالقة بين منطق السلطة الصلبة ومنطق الدولة الجامعة. هذا التقرير، المنشور في مجلة فورين آفيرز، يتناول مفارقة المرحلة السورية الراهنة: كيف أسهمت البراغماتية السياسية والقبضة الأمنية التي أوصلت القيادة الجديدة إلى دمشق في تحقيق اختراقات خارجية لافتة، لكنها في الوقت نفسه بدأت تُنتج نظام حكم ضيق الأفق يثير مخاوف واسعة لدى السوريين بمختلف انتماءاتهم. ومن خلال تتبّع مسار إعادة التأهيل الدولي، وتفكيك بنية السلطة الناشئة، ورصد التوترات الأمنية والطائفية، يجادل التقرير بأن استقرار سوريا لن يُحسم في العواصم الأجنبية، بل سيتوقف على قدرة القيادة الجديدة في فتح المجال السياسي، وتقاسم السلطة فعليًا، وبناء دولة يشعر السوريون جميعًا بأنها تمثلهم، لا مجرد سلطة جديدة بثوب مختلف.

على مدار عام كامل، حقق أحمد الشرع المستحيل، فهو لم يسقط النظام الديكتاتوري الذي حكم سوريا لنصف قرن فحسب، بل أيضاً أقنع عواصم الدول الغربية بمجرد تسلمه لقيادة البلد برفع أو تعليق معظم العقوبات المفروضة على سوريا خلال فترة حكم النظام البائد، كما حصل على تعهدات من الدول العربية والغربية بدفع مليارات الدولارات على شكل استثمارات، بل إنه أيضاً انضم للتحالف الذي تتزعمه الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة، أي أن إعادة التأهيل على المستوى الدولي التي حققها الشرع لنفسه ولبلده كانت شيئاً لا يخطر على البال ولا في الأحلام عندما أصبح قائداً لسوريا على أنقاض حكم نظام بشار الأسد.

ولكن، وعلى الرغم من كل تلك الانتصارات الدبلوماسية، تواجه الشرع في الداخل مشكلات ومصاعب كثيرة، فالصفات نفسها التي مكنت هيئة تحرير الشام من الوصول إلى دمشق في كانون الأول 2024 باتت اليوم تعرقل مساعي القيادة الجديدة لإعادة بناء الدولة السورية. فقد كان من الضروري لهياكل القيادة أن تكون ضيقة، إلى جانب إيلاء الأولوية للبقاء مقابل التخلي عن صفاء الفكر العقائدي ونقائه، وكذلك كان لابد من الاستعانة بذكاء لا يعرف الرحمة لتحييد المنافسين، وذلك لتوحيد ثلة متفرقة من التنظيمات الجهادية السابقة وغيرها من التنظيمات المسلحة وتحويلها إلى قوة ضاربة في ساحة الوغى. إلا أنه بعد مرور عام على المرحلة الانتقالية بعد الأسد في سوريا، لم تتمخض تلك السمات إلا عن ظهور نظام حكم ركز السلطات بيد دائرة ضيقة من القادة السابقين في هيئة تحرير الشام الذين لم يقدموا حتى الآن رؤية واضحة بشأن مستقبل سوريا السياسي.

بعد أن حرمت الأقليات الدينية والعرقية وكذلك الأغلبية السنية التي تخشى من المستقبل العقائدي لهذه القيادة الجديدة من أي مشاركة فعالة في المؤسسات السياسية التي تشكلت حديثاً في هذا البلد، بقيت تلك الفئات عاجزة عن تحديد مكانتها أو موقعها في سوريا الجديدة، وقد وصل ذلك التوتر إلى ذروته مؤخراً في شمال شرقي سوريا، حيث هيمنت قوات الحكومة السورية على الأراضي التي بقيت قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية تسيطر عليها لعقد ونيف. ثم إن الاتفاق الذي عقد الأسبوع الماضي بين قسد والحكومة التي بدأت بعملية دمج قسد ضمن مؤسسات الدولة، يمكن أن يبدأ بتخفيف التوتر الآن. غير أن زخم ذلك لا يجوز أن يتوقف عند هذا الحد، لأن عملية الانتقال السياسي في سوريا إذا توقفت، فإن البلد يمكن أن ينجر لدوائر عنف جديدة، ما يهدد بتبديد التقدم الذي أحرزته الحكومة في حصد التأييد والدعم الدولي.

إن السبيل الوحيد لضمان الاستقرار على المدى البعيد يتمثل بانفتاح المنظومة السياسية بشكل فعلي، إذ حتى الآن، بقي الشرع متردداً في تحقيق ذلك، لكنه سياسي حصيف أبدى قدرة على التكيف البراغماتي لتفادي المشكلات قبل تحولها إلى أزمات. فخلال العقد الفائت، نأى بجماعته عن حركة الجهاد العالمية، ووجهها نحو الانحياز الاستراتيجي للشركاء الدوليين. وقبل سقوط الأسد بأشهر قليلة، عندما كانت هيئة تحرير الشام تحكم محافظة إدلب، سمح بقيام إصلاحات محدودة رداً على الاحتجاجات الشعبية التي خرجت في تلك المنطقة. والآن، حتى يحافظ على التقدم الذي أحرزه كرئيس لسوريا ويبني عليه، لا مفر أمامه من منح السوريين سهماً سياسياً حقيقياً في رسم مستقبل البلد.

  • Related Posts

    رويترز: بنك أمريكي يساعد سوريا في إصدار أول خطاب اعتماد منذ 14 عاماً

    قال مسؤول سوري كبير في قطاع الطاقة لوكالة رويترز إن بنك “جيه. بي. مورجان” الأمريكي ساعد سوريا في إصدار أول خطاب اعتماد لها منذ أكثر من عشر سنوات، ما أتاح…

    إسرائيل تستهدف بقذائف المدفعية ريف القنيطرة

    استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأربعاء، محيط تل الأحمر الشرقي في ‏ريف القنيطرة الجنوبي، بعدة قذائف مدفعية.‏ وذكرت وكالة سانا، أن قوات الاحتلال أطلقت قذيفتين سقطتا في الأراضي الزراعية ‏في محيط…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    قد فاتك المحتوي

    النفط يرتفع فوق 113 دولاراً للبرميل وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات

    النفط يرتفع فوق 113 دولاراً للبرميل وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات

    تحليق واسع للطيران الحربي الإسرائيلي فوق سوريا.. سرب يعبر باتجاه العراق قبل عودته

    تحليق واسع للطيران الحربي الإسرائيلي فوق سوريا.. سرب يعبر باتجاه العراق قبل عودته

    النرويج تتعهد بنحو 9.5 ملايين دولار لصندوق إعادة إعمار سوريا

    النرويج تتعهد بنحو 9.5 ملايين دولار لصندوق إعادة إعمار سوريا

    الشيباني وفيدان يبحثان هاتفيا مستجدات المنطقة وتعزيز التعاون السوري التركي

    الشيباني وفيدان يبحثان هاتفيا مستجدات المنطقة وتعزيز التعاون السوري التركي

    الأردن والإمارات يبحثان سبل توسيع التعاون الثنائي في قطاع النقل الجوي

    الأردن والإمارات يبحثان سبل توسيع التعاون الثنائي في قطاع النقل الجوي

    وزير الخارجية يصل إلى الدوحة لإجراء مباحثات مع ‌‏مسؤولين ‏قطريين

    وزير الخارجية يصل إلى الدوحة لإجراء مباحثات مع ‌‏مسؤولين ‏قطريين

    سوريا والسعودية.. شراكة استراتيجية تدعم التعافي وتفتح ‏مسارات الإعمار والاستثمار

    سوريا والسعودية.. شراكة استراتيجية تدعم التعافي وتفتح ‏مسارات الإعمار والاستثمار

    مباحثات سورية أمريكية تهدف لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين

    مباحثات سورية أمريكية تهدف لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين

    سوريا تشارك في اجتماع مجلس أمناء المعهد ‏العربي للتدريب والبحوث بجدة

    سوريا تشارك في اجتماع مجلس أمناء المعهد ‏العربي للتدريب والبحوث بجدة

    مباحثات سورية رومانية لتعزيز التعاون وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية

    مباحثات سورية رومانية لتعزيز التعاون وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية

    الرئيس الشرع يبحث فرص الاستثمار مع أعضاء غرفة التجارة الأمريكية ‏وممثلي شركات كبرى

    الرئيس الشرع يبحث فرص الاستثمار مع أعضاء غرفة التجارة الأمريكية ‏وممثلي شركات كبرى

    الشيباني: سوريا تختتم مشاركتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة

    الشيباني: سوريا تختتم مشاركتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة
    Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com