تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي انتهاك السيادة السورية، عبر توغلاتها في الجنوب واعتداءاتها العسكرية المتكررة، في وقت تقترب فيه الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول الجاري، وسط تساؤلات عن مدى تأثير نتائجها على مستقبل الاحتلال وسياسة تل أبيب تجاه سوريا، وما إذا كان رحيل بنيامين نتنياهو عن رئاسة الحكومة سيحمل تغييراً فعلياً في هذا النهج.
وتنطلق في 27 تشرين الأول، الانتخابات الإسرائيلية وسط منافسة على مستقبل رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو السياسي، من دون أن تحمل البدائل المطروحة تعهداً بإنهاء الاحتلال أو وقف التدخل العسكري في دول المنطقة.
وبينما يتقدم رئيس الأركان الاحتلال السابق، غادي آيزنكوت، في عدد من استطلاعات الرأي، تبقى قدرته على تشكيل حكومة غير محسومة، كما تبقى خلافاته مع نتنياهو أوسع في إدارة التحالفات والعلاقات الخارجية.
وبالنسبة إلى سوريا، لا تقتصر أهمية الانتخابات على هوية رئيس الحكومة المقبل، بل على السياسات التي سيواصلها أو يغيرها، من الاحتلال والاعتداءات المتكررة والاستيطان، إلى استخدام التفوق العسكري لفرض ترتيبات سياسية وأمنية.
وتكشف المواقف المعلنة لدى قادة كيان الاحتلال أن معارضة نتنياهو لا تعني بالضرورة معارضة هذه السياسات، حتى إن اختلف المتنافسون على حدودها ووسائل تنفيذها.
تقدم لآيزنكوت من دون أغلبية مضمونة
أظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة “معاريف“، في 16 تشرين الأول، حصول حزب “يشار” بقيادة آيزنكوت على 21 مقعداً، مقابل 18 لليكود بقيادة نتنياهو، و13 لقائمة “معاً” بقيادة نفتالي بينيت.
وعلى مستوى المعسكرات، تعادلت كتلة نتنياهو والمعارضة اليهودية عند 51 مقعداً لكل منهما، مقابل 14 للأحزاب العربية وأربعة لحزب الاحتياط الاقتصادي، الذي لم يُحسب ضمن أي من المعسكرين.
أما استطلاع “زمان إسرائيل“، في 15 تشرين الأول، فمنح “يشار” 26 مقعداً والليكود 20 و”معاً” 11 معقداً، في حين بلغت حصة المعارضة اليهودية 54 مقعداً مقابل 49 لمعسكر نتنياهو، مع 13 للأحزاب العربية وأربعة لحزب الاحتياط الاقتصادي.
وتشير النتيجتان إلى أن تقدم حزب على آخر لا يحسم تشكيل الحكومة، فكلا المعسكرين يبقى من دون أغلبية 61 مقعداً، كما أن جزءاً من تقدم آيزنكوت في استطلاع “زمان إسرائيل” جاء على حساب شركائه في المعارضة، وليس نتيجة انتقال أصوات من كتلة نتنياهو وحدها.
خلاف على القيادة داخل معسكرات القوة
يقدم آيزنكوت نفسه بديلاً يستند إلى خبرته العسكرية وخطاب النزاهة واستعادة التماسك الداخلي، ويخوض بينيت الانتخابات ضمن تحالف مع يائير لابيد، في حين تضم المعارضة أيضاً أفيدور ليبرمان ويائير غولان.
ورغم أن هؤلاء يجتمعون على إبعاد نتنياهو، إلا أن ذلك لا يجعلهم كتلة واحدة، ولا يلغي الاختلافات بينهم بشأن المواقف السياسية، وتغير الحكومة لا يعني وقف المطالبة بحرية التدخل العسكري وفرض قيود على سياسة الجوار.
ورغم أن هؤلاء يجتمعون على إبعاد نتنياهو، إلا أن مواقفهم تجاه سوريا تُبقي التدخل العسكري وفرض القيود على سيادتها ضمن خيارات السياسة الإسرائيلية، ما يجعل إبعاد نتنياهو عن الحكم غير كافٍ لإنهاء الاعتداءات أو تغيير نهج التعامل مع الأراضي السورية بوصفها ساحة مفتوحة للاعتداءات وفرض القوة.
ويتمحور جانب أساسي من خطاب آيزنكوت حول اتهام نتنياهو بالعجز عن تحويل المكاسب العسكرية إلى نتائج سياسية وأمنية مستدامة، وهو اعتراض على حصيلة استخدام القوة وإدارتها، لا تعهد بوقف استخدامها، حيث تشمل توجهاته الإبقاء على ترتيبات أمنية في غزة ولبنان وسوريا.
رغبة في حكومة وحدة وانقسام على من يقودها
أظهر استطلاع صحيفة “معاريف” تأييد 55% من المستطلعة آرائهم تشكيل حكومة وحدة إذا لم تسفر الانتخابات عن نتيجة حاسمة، مقابل 27% يفضلون انتخابات أخرى و18% لم يحسموا موقفهم، لكن هذا التأييد لا يلغي الانقسام، حيث اشترط 54% من ناخبي المعارضة أن يقود حكومة الوحدة زعيم من معسكرهم.
وفي سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة، تقدم آيزنكوت على نتنياهو بنسبة 48% مقابل 41%، بينما تعادل بينيت ونتنياهو عند 43% لكل منهما.
ووفق صحيفة “جيروزاليم بوست“، تقيس هذه النتائج تفضيل الأشخاص، ولا تعني أن صاحب النسبة الأعلى يمتلك التحالف البرلماني اللازم للحكم.
كما يبقى هجوم السابع من أكتوبر حاضرة وجزءاً أساسياً من المعركة الانتخابية، حيث وثقت وكالة “رويترز” ترشّح تسعة على الأقل من الناجين وأقارب الضحايا للكنيست، معظمهم ضمن أحزاب معارضة لنتنياهو، بما يعكس انتقال جانب من المطالبة بالمحاسبة إلى المنافسة على المقاعد.
الأصوات العربية مؤثرة والشراكة مرفوضة
من جانب آخر، تكشف الانتخابات المقبلة حدود استعداد القوى الإسرائيلية الرئيسية لقبول الشراكة السياسية العربية، فالأحزاب العربية قد تمتلك مقاعد مؤثرة في تحديد الحكومة المقبلة، لكن نتنياهو وآيزنكوت أعلنا رفض التحالف معها، كما أعلن لابيد رفض تشكيل ائتلاف جديد مع “القائمة العربية الموحدة”، رغم مشاركتها في حكومة عام 2021.
ويجعل هذا الرفض الأرقام البرلمانية أقل قابلية للتحول إلى حكومة، فوجود أغلبية حسابية معارضة لنتنياهو لا يعني وجود أغلبية سياسية مستعدة للعمل معاً، وقد يقود استمرار استبعاد الأحزاب العربية إلى جمود جديد وبقاء حكومة نتنياهو لتصريف الأعمال.
سوريا: الاحتلال حاضر مهما تبدلت الحكومة
في الملف السوري، تجري المنافسة الانتخابية بينما تواصل إسرائيل اعتداءاتها ووجودها في منطقة الفصل التي دخلتها بعد سقوط النظام المخلوع، وتنفذ توغلات عبر خط وقف إطلاق النار، في انتهاك لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974، الأمر الذي يجعل الاحتلال والاعتداء على السيادة السورية واقعاً قائماً تُقاس المواقف الإسرائيلية بمدى استعدادها لإنهائه.
وتختلف مقاربة آيزنكوت عن نتنياهو في إبداء تأييد عام لاتفاق أمني مع سوريا، حيث ذكرت صحيفة “فايننشال تايمز”، في 11 تشرين الأول الجاري، أن الاتفاق ظل متعثراً رغم الوساطة الأميركية، وأن آيزنكوت انتقد اتساع الفجوة بين المصالح الإسرائيلية والأميركية في المنطقة.
ويقترن هذا التوجه التفاوضي بمطالب تستبقي أدوات التدخل، حيث ذكرت “جيروزاليم بوست” أن آيزنكوت يريد الاحتفاظ بحرية توجيه ضربات جوية ضد ما تعتبره إسرائيل تهديدات استراتيجية تمر عبر سوريا، إلى جانب توسيع قوة “أندوف” وتعزيز المشاركة الأميركية في ضمان فاعليتها.
ووفق الصحيفة، لا يقدم التنافس بين المسعكرين خياراً واضحاً بين استمرار الاعتداء واحترام السيادة السورية، بل يعرض مقاربات مختلفة لتحقيق المطالب الأمنية الإسرائيلية، بالقوة العسكرية أو باتفاقات تسعى إسرائيل إلى تضمينها حرية التدخل العسكري في محيطها.
كما لا يوجد في المواقف المعلنة حتى الآن ما يبرر افتراض أن وصول آيزنكوت إلى رئاسة الوزراء سيعني تلقائياً الانسحاب من الأراضي السورية أو توقف الاعتداءات.
وفي السجال العام على كفاءة القيادة الإسرائيلية، استعاد آيزنكوت حادثة إسقاط طائرة “إف-16” بنيران سورية عام 2018، متهماً نتنياهو بعدم الاستجابة لاتصالاته لساعات.
كما امتد الاستغلال الانتخابي إلى السويداء، حيث رفضت الحكومة السورية استغلال المكون الدرزي لأغراض دعائية وانتخابية، رداً على تصريحات لنتنياهو بشأن أحداث المحافظة.
وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لا تحسم الاستطلاعات هوية رئيس الحكومة المقبل، كما لا تحمل المواقف المعلنة ضمانة بإنهاء الاحتلال والاعتداءات، وبالنسبة إلى سوريا، يبقى معيار التغيير هو الانسحاب من أراضيها المحتلة واحترام سيادتها، لا تبدّل الأشخاص في رئاسة الحكومة الإسرائيلية.














