يرسم ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا اليوم ملامح تحول نوعي في نهج دمشق تجاه منظومة العمل متعدد الأطراف، بعدما انتقلت من إرث ثقيل خلفه النظام البائد، ظل لسنوات موضع ضغط دولي، إلى مرحلة جديدة من التعاون والمبادرة والوفاء بالالتزامات الدولية، في مسار يحوّل هذا الملف من مصدر للخطر إلى نموذج للتعاون الدولي المسؤول.
ويضع الرئيس أحمد الشرع هذا التحول ضمن مسار أوسع للانفتاح على منظومة العمل الدولي، مؤكداً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن دمشق تعمل على طي الإرث الكيميائي الذي أثقل اسم سوريا لعقد كامل، عبر التعاون مع سبع دول وتدمير ما تم العثور عليه من ذخائر، بالتوازي مع استعادة حقوق سوريا كاملة في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ويأتي هذا المسار بعد سنوات كان فيها الملف الكيميائي مصدر ضغط دولي على سوريا، فيما تحولت دمشق منذ التحرير إلى طرف فاعل، بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وشركاء دوليين، في البحث عن مخلفات البرنامج وتدميرها والوفاء بالالتزامات وملاحقة المسؤولين عن هذا الإرث.
وتجسد عملية تدمير المواد التي عثر عليها في سوريا، ضمن إجراءات التحقق التي تتبعها المنظمة، جانباً عملياً من هذا التحول الهادف إلى طي الإرث الكيميائي عبر العمل الجماعي.
الرئيس الشرع: العمل الجماعي أمانة
وقال الرئيس الشرع في كلمة أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك أمس الأربعاء: “في الملف الذي أثقل اسم سوريا عقداً كاملاً، أطلقنا مع سبع دول فريق “أنفاس الحرية” لطيّ الإرث الكيميائي، ودُمرت اثنتان وأربعون قنبلة كيميائية، واستعدنا حقوقنا كاملة في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ونعمل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأقصى درجات الشفافية، إيماناً منا بأن العمل الجماعي أمانة”.
ويضيف هذا التصريح بعداً سياسياً إلى الخطوات العملية التي قطعتها سوريا خلال الأشهر الماضية، إذ لم يعد التعامل مع الملف الكيميائي يقتصر على الاستجابة للالتزامات الدولية، بل أصبح جزءاً من مسار تعاون تقوده دمشق مع شركاء دوليين لإنهاء إرث البرنامج الكيميائي للنظام البائد.
بداية عملية التدمير
في 3 أيلول الجاري، أعلن مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي بدء عملية تدمير بعض المواد الكيميائية التي عثر عليها في سوريا، ضمن إجراءات التحقق التي تتبعها الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، معتبراً أن العملية تمثل لحظة تاريخية، كونها الأولى منذ التحرير، والأولى لتدمير ذخائر كيميائية على الأراضي السورية منذ عام 2014.
وأكد علبي أن التعاون بين سوريا ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية يتجاوز التفاصيل الفنية، ليعكس تحولاً سياسياً عميقاً في نهج التعاطي السوري مع منظومة العمل متعدد الأطراف، موضحاً أن سوريا، الواقعة في قلب منطقة تموج بالنزاعات، تختار العودة إلى المجتمع الدولي من بوابة المسؤولية والوفاء بالالتزامات.
إرث كيميائي حاول النظام البائد إخفاءه
وتكتسب العملية الحالية أهميتها من طبيعة الإرث الذي تتعامل معه، إذ لم يقتصر البرنامج الكيميائي للنظام البائد على المواد التي أعلن عنها سابقاً، حيث كشفت عمليات البحث والتحقيق التي أجرتها الفرق السورية، بالتعاون مع منظمة الحظر، عن ذخائر ومواد مرتبطة بالبرنامج لم تكن مدرجة في الإعلان الأولي.
وفي أيار الماضي، أعلنت بعثة سوريا لدى المنظمة العثور على 54 قنبلة جوية مماثلة لتلك المستخدمة في هجمات النظام البائد في اللطامنة عام 2017، و25 قنبلة أرض-أرض مماثلة لتلك المستخدمة في الغوطة الشرقية عام 2013، إضافة إلى مواد تدخل في تصنيع السارين ومعدات للمزج والتخزين، موضحة أن المواد والذخائر نقلت إلى مرافق خاصة تمهيداً لتدميرها بعد إخضاعها لإجراءات التحقق.
وتكشف هذه المعطيات تحولاً جوهرياً، ففي عام 2013، وتحت ضغط دولي عقب الهجوم الكيميائي على الغوطتين، انضمت سوريا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وبدأت عملية دولية للتخلص من مخزونها الكيميائي المعلن، بينما أظهرت الاكتشافات اللاحقة أن إرث البرنامج لم ينته بانتهاء تلك العملية، وأن مواد وذخائر ومنشآت بقيت خارج نطاق الإعلان السابق.
وكانت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أعلنت في 2016 إتمام تدمير جميع المواد الكيميائية التي أعلن عنها النظام البائد آنذاك، فيما واصلت المنظمة خلال السنوات التالية التحقيق في المعلومات المتعلقة ببرنامج النظام البائد وهجماته الكيميائية.
أما اليوم، فتجري عملية التعامل مع المخلفات التي كشف عنها حديثاً داخل سوريا، بقيادة الفرق الوطنية وبوجود فرق التفتيش التابعة للمنظمة، في تحول يعكس انتقال دمشق من تلقي الإجراءات الدولية إلى المشاركة الفاعلة في تنفيذها.
من الاستجابة للطلبات إلى قيادة الجهود
ولم يبدأ هذا التحول مع عملية التدمير الحالية، بل سبقها مسار متدرج بدأ منذ التحرير في 8 كانون الأول 2024، عندما شكلت سوريا مجموعة عمل وطنية عام 2025، تضم الوزارات والجهات المعنية، لتنسيق البحث والتحقيق والتعامل مع مخلفات البرنامج الكيميائي وملاحقة المتورطين فيه.
وسهلت الفرق الوطنية، منذ التحرير، زيارات فرق التفتيش التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى 32 موقعاً مشتبهاً به، وقدمت تقارير عن 14 موقعاً إضافياً، فيما أسهمت المعلومات التي جُمعت والتحقيقات التي أجريت في تحديد مواقع ومواد جديدة مرتبطة بالبرنامج الكيميائي للنظام البائد.
وفي آذار الماضي، اتخذ التعاون بعداً دولياً أوسع مع إطلاق فريق “أنفاس الحرية”، الذي تقوده سوريا بمشاركة الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وتركيا وقطر وكندا، بهدف القضاء على أي بقايا محتملة من البرنامج الكيميائي.
ومن دلالة هذا التحول أن سوريا لم تعد تتعامل مع الملف باعتباره التزاماً فنياً منفصلاً، وإنما بوصفه مسؤولية وطنية ودولية مشتركة، وهو ما تجسد في استعادة حقوقها وامتيازاتها في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في تموز الماضي، بقرار اعتمده المجلس التنفيذي بالتوافق وبرعاية 66 دولة.
وأشادت الدول الأعضاء في مجلس الأمن خلال جلسته مطلع الشهر الجاري بالتعاون البناء بين الحكومة السورية والأمانة الفنية للمنظمة، فيما أكدت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والممثلة السامية لشؤون نزع السلاح إيزومي ناكاميتسو أن الجهود الجماعية بدأت تحقق نتائج ملموسة لمعالجة ما تبقى من الأسلحة الكيميائية.
التدمير لا يلغي المساءلة
وفي موازاة التخلص من مخلفات الأسلحة الكيميائية، تضع سوريا المساءلة في صلب تعاملها مع إرث النظام البائد، انطلاقاً من أن إزالة السلاح لا تعني إسقاط المسؤولية عن مستخدميه، إذ أكد علبي أن موقف سوريا من العدالة والمساءلة ثابت، مشيراً إلى العمل لعقد أولى المحاكمات في التاريخ لمستخدمي الأسلحة الكيميائية، بما يكرس مكافحة الإفلات من العقاب ومنع تكرار الجرائم.
ويتكامل ذلك مع توقيف 18 شخصاً على صلة بالبرنامج الكيميائي للنظام البائد، بينهم ضباط رفيعو المستوى وخبراء سابقون في مركز البحوث العلمية وضباط من الجهاز الأمني المشرف على البرنامج.
وبذلك، لا يقتصر المسار على إزالة المخلفات، بل يجمع بين التخلص من السلاح، وكشف الإرث الكيميائي، ومحاسبة المسؤولين، وضمان عدم التكرار.
حماية تتجاوز الحدود السورية
ولا تقتصر أهمية العملية على التخلص من مخلفات قد تشكل خطراً على السوريين، إذ أكد علبي أن تأمين المواقع وتحديد الذخائر يحد من مخاطر وصولها إلى أيد خاطئة، ويحمي السكان والبيئة والأمن الوطني والإقليمي والدولي.
وحذر في المقابل من أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة أعاقت عمليات البحث والتدمير وأوقفتها في بعض المراحل، كما عرضت الطواقم الوطنية وفرق المنظمة والمواقع التي يجري تأمينها للخطر، مشدداً على أن استمرار هذا المسار يتطلب توفير الظروف الآمنة للطواقم والمواقع، لأن أي تهديد للعمل لا ينعكس على سوريا وحدها، بل يوسع دائرة المخاطر المرتبطة بالمواد الكيميائية.
ومن إرث كيميائي كان عنواناً للضغط الدولي، إلى مسار تقوده سوريا بالتعاون مع شركاء دوليين، يتحول الملف إلى اختبار لقدرة العمل الجماعي على إزالة المخاطر، ومحاسبة المسؤولين، ومنع تكرار الجريمة













