خالد تاجا.. الثائر الذي فاتته ساعة التحرير

“منذ 70 عاما ركضنا نحو الحاكورة ونهر يزيد، وها أنت اليوم تعود إلى سفوح قاسيون مسقط رأسك لترقد بهدوء وأمان وسلام.. كل النوارس التي لوّحنا لها سويا تبدو حزينة اليوم وداعا يا خالد”.. بهذه الكلمات العفوية، وبقدر مفرط من الصدق، وقف رجل فوق نعش الممثل السوري المخضرم خالد تاجا بين القبور في تربة “الزينبية” القابعة على سفوح جبل قاسيون ليصدح بها.

حدث ذلك ظهر الخميس 5 أبريل/نيسان 2012 عندما كانت دمشق تنام وتصحو على لهب! وسط ترقب أمني، وتخوّف استخباراتي من أجهزة النظام البائد، من أن تمتد المظاهرات بشكل واسع لداخل الشام، أو أن يستطيع الجيش الحر الذي بدأ بالسيطرة على الريف آنذاك، من أن ينقل معاركه إلى قلب أحياء العاصمة.


الخوف الذي كان يعتري أجهزة النظام حينها وصل لأن تحسب ألف حساب لجنازة قامة شاهقة هوت لتوها، فجعلها خوفها تدفع بقوات عسكرية تتمركز عند مسجد الزهراء في حيّ المزة حيث صلي على الفنان الراحل وتنشر مجموعات من الشبيحة، وغيرهم على طول الطريق الواصل من المسجد إلى المقبرة خوفا من أن يستحيل التشييع إلى مظاهرة عارمة.

لم يكن الشرخ قد اتسع كثيرا بين نجوم سوريا آنذاك، وكان يمكن لممثل يبالغ في تأييده الأعمى للنظام حينها أن يكون حاضرا في جنازة من عرف عنه مواقفه المعارضة، لدرجة سرت فيها شائعات بعد سقوط نظام بشار تقول إن “نظام الأسد كان وراء مقتل “الحارث بن عباد”، (نسبة لدوره في مسلسل الزير سالم)، إلى أن خرجت عائلته لتنفي الخبر جملة وتفصيلا.

أما مناسبة الحديث اليوم، فلأن الرجل يعتبر بمثابة أيقونة غائبة، لم يتح لها مواكبة سوى عام واحد من الثورة، قبل أن تنطفئ ويذوي جسدها في ثرى الشام، لكنّ اللافت بأنه منذ سقوط النظام وحتى اليوم لا يكاد تخلو جلسة فنيّة أو نقاش حيوي يخصّ نجوم الدراما السورية، وكيف كانت مواقفهم إلا ويأتي ذكر خالد تاجا، الذي كرّمه بعض محبيه في ذكرى وفاته الأخيرة من خلال وقفة تكريمية في مقهى كان يعتبره بعض السوريين يوازي برلمانا للثقافة السورية.

أيقونة غائبة لا تغيب عن الذاكرة

لم يكن خالد تاجا يشبه أحدا سوى نفسه. لم تأخذه العزّة والمباهاة بموهبته يوما إلى مكان أو مكانة يفقد فيه شيئا من تواضع المبدع العميق، ولا سمح للغرور أن يتسلل إلى قلبه رغم المكانة التي نالها. كان واعيا تماما لحقيقة الحياة وزوال كل ما فيها، مدركا أن الشهرة ليست سوى سراب مؤقت، تشبه الوهم الذي يتلاشى مع الزمن.

لهذا، استعد للموت مبكرا، واستقبله كما يستقبل صديقا قديما، قائلًا له: “تعال متى تشاء”. بل ذهب أبعد من ذلك، فجهّز قبره بنفسه، ونقش على شاهدته عبارة اختزلت رحلته بكلمات مفعمة بالشعر والصدق: “مسيرتي حلم من الجنون كومضة، كشهاب، زرعت النور في قلب مَن رآها لحظة ثم مضت”، وأضاف تحتها ببساطة: “منزل محمد خالد تاجا”.

تاجا الذي شبّهه الراحل محمود درويش بـ”أنطون كوين العرب”، لم يتعامل مع هذا التشبيه بوصفه وسامًا يتباهى به، بل حمله كعبء مسؤولية إضافي، ليكرّس نفسه أكثر كمثقف وفنان صاحب مشروع. ولذا، كان يقول في لقاءاته القليلة معنا: “إن كان الفن خاليًا من أي مشروع، فلا أستطيع تسميته فنا بالأساس”.

ورغم أنه ظلّ علامة فارقة في تاريخ الدراما السورية، بقي يؤكد لأصدقائه أن حبّه للتمثيل لم يبلغ يوما درجة الهيام، كما كان الحال مع شغفه الكبير بجمع التحف والأنتيكات من أنحاء العالم، التي ملأ بها منزله حتى ضاق بها، وصار يكره التصوير فيه خشية أن تُصاب واحدة من تحفه المفضلة.

وبشغف مماثل لكنه ربما يكون أقل بدرجة واحدة تعامل مع مهنته على أنها فسحة للتفريغ من كلّ ما يحيط به من هموم، ومحاولة مستمرة لإعادة إقلاع دوري لكل أدواته المهنية والإنسانية.

علامات فارقة في مسيرة لا تختصر

يصعب اختزال مشوار خالد تاجا في بضعة أسطر، فحياته المهنية الطويلة كانت مليئة بمحطات متمايزة وملامح لا تشبه سواه. انطلق من خشبة المسرح في خمسينيات القرن الماضي، ضمن فرقة “مسرح الحرية” التي أدارها الفنان عبد اللطيف فتحي -المعروف بدور “أبو كلبشة” في مسلسلات غوار الطوشة- وكانت تضم حينها أسماء كبيرة مثل أنور البابا، وحكمت محسن، وصبري عياد.

تاجا سرعان ما خطى إلى السينما، ولعب دور البطولة في فيلم “سائق الشاحنة”، أول إنتاجات المؤسسة العامة للسينما في سوريا عام 1966، بإخراج بوشكو فتشينكش. ثم تبعها بدور رئيسي في فيلم “رجال تحت الشمس” عام 1969، المقتبس عن رواية غسان كنفاني، بمشاركة 3 مخرجين: نبيل المالح، ومروان المؤذن، ومحمد شاهين.

ورغم غيابه المتقطع عن الشاشة بسبب تراجع الإنتاج السينمائي السوري، عاد تاجا بقوة إلى التلفزيون، ليفرض حضوره كممثل استثنائي بموهبة متجددة. من أبرز أعماله الدرامية كانت مشاركاته مع المخرج الراحل حاتم علي، في “التغريبة الفلسطينية” (نص وليد سيف)، و”الزير سالم” (نص ممدوح عدوان)، إلى جانب دوره في “أسرار المدينة” (كتابة حسن سامي يوسف ونجيب نصير، إخراج هشام شربتجي). وقد تُوجت هذه المسيرة المتميزة عام 2004، حين اختارته مجلة تايم الأميركية ضمن قائمة أفضل 50 ممثلا في العالم.

لكن ما لا يعرفه كثيرون عن خالد تاجا، هو حسّه الكوميدي العفوي، وقدرته المدهشة على تحويل أكثر اللحظات قسوة إلى فسحة من السخرية اللاذعة، وهو ما يشهد عليه مقربوه، وفي طليعتهم الفنانان عبد الهادي الصبّاغ وأيمن رضا.

كما امتلك شجاعة نادرة في مواجهة المرض؛ فبعد أن هزم السرطان مرة، عاش بقية حياته برئة واحدة تقريبًا. والمثير للإعجاب، أنه حين خضع لعملية جراحية خطيرة في مدينة “روستوك” الألمانية لعلاج تمدد الأوعية الدموية، رفض التخدير الكامل، وظلّ يراقب خطوات الأطباء على الشاشة أمامه، دون أن يرتجف له جفن.

Related Posts

جائزة “كتارا” للرواية العربية تتوج الفائزين بدورتها الـ12

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي (كتارا) أمس الخميس، عن الفائزين بـ “جائزة كتارا للرواية العربية” في دورتها الثانية عشرة 2026، وذلك في حفل أقيم بدار الأوبرا في كتارا بالعاصمة القطرية…

غريب صيدنايا.. الغربة والذاكرة في مواجهة السجن

«أمي فاطمة زيدان، اشتقت إليك»، عبارة يتركها يوسف على جدار سجن تدمر، تختصر جانباً من الوجع الذي تستعيده الكاتبة السورية إخلاص هنو في روايتها «غريب صيدنايا». خلف هذه الكلمات إنسان…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد فاتك المحتوي

تحليق واسع للطيران الحربي الإسرائيلي فوق سوريا.. سرب يعبر باتجاه العراق قبل عودته

تحليق واسع للطيران الحربي الإسرائيلي فوق سوريا.. سرب يعبر باتجاه العراق قبل عودته

النرويج تتعهد بنحو 9.5 ملايين دولار لصندوق إعادة إعمار سوريا

النرويج تتعهد بنحو 9.5 ملايين دولار لصندوق إعادة إعمار سوريا

الشيباني وفيدان يبحثان هاتفيا مستجدات المنطقة وتعزيز التعاون السوري التركي

الشيباني وفيدان يبحثان هاتفيا مستجدات المنطقة وتعزيز التعاون السوري التركي

الأردن والإمارات يبحثان سبل توسيع التعاون الثنائي في قطاع النقل الجوي

الأردن والإمارات يبحثان سبل توسيع التعاون الثنائي في قطاع النقل الجوي

وزير الخارجية يصل إلى الدوحة لإجراء مباحثات مع ‌‏مسؤولين ‏قطريين

وزير الخارجية يصل إلى الدوحة لإجراء مباحثات مع ‌‏مسؤولين ‏قطريين

سوريا والسعودية.. شراكة استراتيجية تدعم التعافي وتفتح ‏مسارات الإعمار والاستثمار

سوريا والسعودية.. شراكة استراتيجية تدعم التعافي وتفتح ‏مسارات الإعمار والاستثمار

مباحثات سورية أمريكية تهدف لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين

مباحثات سورية أمريكية تهدف لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين

سوريا تشارك في اجتماع مجلس أمناء المعهد ‏العربي للتدريب والبحوث بجدة

سوريا تشارك في اجتماع مجلس أمناء المعهد ‏العربي للتدريب والبحوث بجدة

مباحثات سورية رومانية لتعزيز التعاون وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية

مباحثات سورية رومانية لتعزيز التعاون وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية

الرئيس الشرع يبحث فرص الاستثمار مع أعضاء غرفة التجارة الأمريكية ‏وممثلي شركات كبرى

الرئيس الشرع يبحث فرص الاستثمار مع أعضاء غرفة التجارة الأمريكية ‏وممثلي شركات كبرى

الشيباني: سوريا تختتم مشاركتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة

الشيباني: سوريا تختتم مشاركتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة

مصر وسوريا تتفقان على منتدى استثماري

مصر وسوريا تتفقان على منتدى استثماري
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com