تعزيز الوجود الأميركي: انتقال من الكم إلى النوع

كشفت مصادر في وزارة الحرب الأميركية عن تعزيز الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، شمل رفع الجاهزية القتالية ونشر وسائل مراقبة واستطلاع متقدمة، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة، وهذه الخطوة تندرج ضمن برنامج أوسع تقوده وزارة الحرب لمكافحة الإرهاب وشبكات تهريب المخدرات، إضافة إلى حماية القواعد العسكرية الأميركية والأفراد المنتشرين في بيئة إقليمية تتسم بتصاعد التهديدات غير المتناظرة.

قوة مهام جديدة .. مرحلة مختلفة في حرب المسيّرات

في تطور لافت، أعلن الجيش الأميركي عن تشكيل قوة مهام جديدة تابعة للقيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، تُعد الأولى من نوعها المختصة بتشغيل أسراب طائرات مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه في الشرق الأوسط. هذه القوة، التي أُطلق عليها اسم «سكوربيون سترايك»، جاءت بعد توجيه مباشر من وزير الحرب بتسريع إدخال تكنولوجيا الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة إلى الخدمة العملياتية.

ويؤكد الخبير الاستراتيجي الأستاذ في العلوم السياسية عمر الرحمون أن الهدف من هذه القوة لا يقتصر على التجربة أو الاختبار، بل يتمثل في توفير قدرات قتالية سريعة وفعالة للوحدات المنتشرة ميدانيًا، مع تقليل الكلفة المادية والزمنية، وهو ما يعكس استيعاب الجيش الأميركي لدروس الحروب الحديثة في أوكرانيا والشرق الأوسط.

مسيّرات هجومية منخفضة الكلفة.. رد على تهديدات واقعية

ويضيف الرحمون أن قوة المهام الجديدة باشرت فعليًا بتشكيل سرب من الطائرات المسيّرة الهجومية من طراز «لوكاس» (FLM-136)، المنتشرة حاليًا في الشرق الأوسط، وهذه الطائرات تتميز بقدرات تشغيل مرنة، ومدى تحليق طويل، وإمكانية الإطلاق بوسائل متعددة، سواء من منصات أرضية ثابتة أو متحركة، ما يمنحها مرونة تكتيكية عالية في ساحات القتال.

ويشير إلى أن هذه المسيّرات تعتمد على أنظمة تحكم ذاتي متقدمة، وتحتاج إلى تدخل بشري محدود جدًا، مستفيدة من الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار لتحديد أهدافها، مع قدرة على التحليق لساعات طويلة، وهو ما يجعلها أداة فعالة في مهام الردع والاستهداف الدقيق.

رسائل ردع موجهة لإيران ووكلائها

ويبين الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الطيار المتقاعد فيصل حمد إن تطوير الولايات المتحدة لمنظومة طائرة بدون طيار انتحارية بعيدة المدي ومنخفضة التكلفة، من خلال الهندسة العكسية لمنظومات “جيرن-2″ و”شاهد-136” هو تطور كبير، وتم تسميتها FLM-136.

كما وتشير بعض التقارير إلى أن البنتاغون قد طلب شراء هذه الطائرات بقيمة مليون دولار. لكن نشرها في منطقة المسؤولية للقيادة المركزية هو تحذير لايران او “قلب السيناريو على إيران”.

ومن الجدير بالذكر تصريحات قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر تؤكد أن الهدف من هذه القوة لا يقتصر على الحماية، بل يتجاوزها إلى خلق حالة ردع مبنية على الابتكار والسرعة في إدخال التكنولوجيا إلى ساحة المعركة، فالجيش الأميركي يسعى إلى امتلاك قدرة هجومية مسيّرة على مستوى الوحدات الصغيرة، في إطار خطة تهدف إلى تعميم هذا النوع من السلاح على مختلف التشكيلات القتالية خلال الأعوام القليلة المقبلة وفقا لوول ستريت جورنال.

الساحة السورية

فيما يخص الساحة السورية، ورغم القلق الشعبي المشروع من أي تحرك عسكري خارجي، يمكن النظر إلى هذه التطورات من زاوية مختلفة وأكثر هدوءًا، فتعزيز الوجود الأميركي، ولا سيما عبر أدوات المراقبة والطائرات المسيّرة، قد يساهم في تقليص الفوضى الأمنية في مناطق واسعة عانت لسنوات من الفراغ والتهريب وتعدد مراكز النفوذ. التركيز الأميركي المعلن على مكافحة الإرهاب وشبكات التهريب العابرة للحدود يعني عمليًا تشديد الرقابة على المسارات التي استُخدمت سابقًا لتمرير السلاح والمخدرات، وهو ما ينعكس إيجابًا على أمن السوريين قبل غيرهم.

كما أن هذا النوع من الانتشار، القائم على التكنولوجيا لا على الزج بقوات برية كبيرة، قد يحدّ من عودة الجماعات المتطرفة والميليشيات المرتبطة بإيران إلى العمل بحرية في البادية السورية والمناطق الحساسة، ويضع سقفًا لحركتها دون تحويل سوريا إلى ساحة مواجهة مفتوحة. من هذه الزاوية، يمكن اعتبار التحرك الأميركي – إذا بقي ضمن إطار الردع وضبط الأمن – عامل استقرار نسبي، يخفف من احتمالات الانفجار، ويمنح السوريين هامشًا من الأمان في مرحلة هم بأمسّ الحاجة فيها إلى الهدوء لا إلى صراعات جديدة.

في المحصلة، لا يمكن قراءة التحركات الأميركية الأخيرة في الشرق الأوسط، ولا سيما في الساحة السورية، بمعزل عن التحولات العميقة في طبيعة الصراعات الحديثة، الولايات المتحدة لا تعود إلى المنطقة بالشكل التقليدي المعروف، بل تعيد تموضعها بأدوات أقل كلفة وأكثر دقة، عنوانها المسيّرات، والردع، والسيطرة على الفراغات الأمنية، وبين مخاوف مشروعة وآمال حذرة، يبقى الرهان أن يُستخدم هذا الوجود لضبط التهديدات ومنع تمدد الإرهاب والتهريب والميليشيات العابرة للحدود، لا لفتح جولات صراع جديدة يدفع ثمنها المدنيون، فاستقرار سوريا والمنطقة لا يحتاج مزيدًا من الحروب، بقدر ما يحتاج إدارة عقلانية للأمن، تضع حماية الناس فوق حسابات النفوذ، وهو ما يبدو واضحا في البرنامج الأمريكي في المنطقة.

Related Posts

الجيش السوري يتهم قسد بعرقلة خروج المدنيين من دير حافر ويتوعد بالرد

قالت وكالة الأنباء السورية (سانا) اليوم الجمعة إن قوات قسد منعت المدنيين من الخروج عبر الممر الإنساني بريف حلب الشرقي بإطلاق الرصاص لإجبارهم على العودة، وسط توترات تشهدها المنطقة. وأوضحت أن المدنيين…

الشرع يزور ألمانيا الثلاثاء لبحث قضايا منها عودة السوريين

سيزور الرئيس السوري أحمد الشرع برلين الثلاثاء المقبل، وفق ما أعلنه متحدث باسم الحكومة الألمانية وأظهره جدول أعمال الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير الذي نُشر الجمعة. وقال متحدث باسم الحكومة الألمانية إن ⁠المستشارفريدريش ميرتس ​سيناقش…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد فاتك المحتوي

الشرع يزور ألمانيا الثلاثاء لبحث قضايا منها عودة السوريين

الشرع يزور ألمانيا الثلاثاء لبحث قضايا منها عودة السوريين

بينها 13 عربية.. أميركا تعلّق تأشيرات الهجرة عن مواطني 75 دولة

بينها 13 عربية.. أميركا تعلّق تأشيرات الهجرة عن مواطني 75 دولة

سفير تركيا لدى دمشق: ننتظر تنفيذ “اتفاق 10 آذار” مع “قسد” بلا حرب

سفير تركيا لدى دمشق: ننتظر تنفيذ “اتفاق 10 آذار” مع “قسد” بلا حرب

الرئيس الشرع وأمير قطر يبحثان هاتفياً التعاون الثنائي والتطورات الإقليمية

الرئيس الشرع وأمير قطر يبحثان هاتفياً التعاون الثنائي والتطورات الإقليمية

ترامب تجاوز كل الحدود وآن أوان قطيعة أوروبا مع أميركا

ترامب تجاوز كل الحدود وآن أوان قطيعة أوروبا مع أميركا

ما حجم الضربة الأميركية المحتملة وكيف سترد إيران؟

ما حجم الضربة الأميركية المحتملة وكيف سترد إيران؟

الغارديان: سوريا بوابة العودة الأوروبية إلى الشرق الأوسط

الغارديان: سوريا بوابة العودة الأوروبية إلى الشرق الأوسط

مباحثات سورية تركية روسية في الدوحة حول استرداد الأصول ومكافحة الفساد

مباحثات سورية تركية روسية في الدوحة حول استرداد الأصول ومكافحة الفساد

تعزيز الوجود الأميركي: انتقال من الكم إلى النوع

تعزيز الوجود الأميركي: انتقال من الكم إلى النوع

براك: هجوم تدمر لن يبطل استراتيجيتنا في تمكين الشركاء السوريين من محاربة داعش

براك: هجوم تدمر لن يبطل استراتيجيتنا في تمكين الشركاء السوريين من محاربة داعش

ترمب يتوعد بالرد على “داعش” في سوريا ومسؤولون أميركيون يعلقون على هجوم البادية

ترمب يتوعد بالرد على “داعش” في سوريا ومسؤولون أميركيون يعلقون على هجوم البادية

تركيا تدين الهجوم على القوات الأميركية والسورية قرب تدمر

تركيا تدين الهجوم على القوات الأميركية والسورية قرب تدمر