
نظمت غرفة تجارة حلب فعالية واسعة شاركت فيها سيدات أعمال وأصحاب مشاريع صغيرة وعدد من الفرق والجمعيات الخيرية، وذلك داخل سوق خان الشونة الأثري في قلب المدينة القديمة، وجاءت هذه الفعالية ضمن أنشطة حملة “حلب ست الكل”، تحت شعار “الأنامل الحلبية”، حيث امتلأت أروقة الخان بعشرات المشاريع المحلية التي قدّمت منتجات يدوية وحرفية ومأكولات تراثية.
كما شهد المعرض حضور مبادرات نسائية وجمعيات مجتمعية عملت على عرض نماذج متنوعة من إنتاجها، بينما أضفت العروض الشرقية والمطبخ التراثي في ساحة الخان طابعاً احتفالياً يعكس هوية المدينة وحيويتها الثقافية.
فضاء يجمع التسويق بالثقافة
لم يكن المعرض مجرد سوق لعرض المنتجات فحسب، بل تحول إلى فضاء ثقافي واجتماعي نابض يعكس روح حلب وتاريخها، فقد أضفت العروض الشرقية والمطبخ التراثي المنتشر في ساحة الخان أجواء احتفالية أعادت إلى المكان حضوره القديم، ليشكل المعرض لوحة تجمع بين التراث والحداثة في آن واحد.
وبحسب القائمين على المعرض الذين التقاهم موقع تلفزيون سوريا، تأتي هذه الفعالية ضمن حملة مستمرة تهدف إلى دعم دور المرأة في الاقتصاد المحلي، وتمكينها من تطوير مهاراتها والدخول بثقة إلى سوق العمل عبر مشاريع صغيرة تعتمد على الابتكار والخبرة الحرفية، ويؤكد المنظمون أن الحدث يفتح أمام المشاركات آفاقاً جديدة لعرض منتجاتهن وتعزيز حضورهن في المشهد الاقتصادي والاجتماعي للمدينة.
إحدى الزائرات، أم يزن، وصفت أجواء المعرض بأنها “تنفض الغبار عن ذاكرة المدينة”، وأضافت خلال حديثها لموقع تلفزيون سوريا: “وجود هذا الكم من المشاريع النسائية داخل خان أثري يمنحك شعوراً بأن حلب تستعيد نفسها من جديد، المنتجات جميلة ومتقنة، والمكان يعيدك سنوات وربما عقودا إلى الوراء، لكنه في الوقت ذاته مليء بالحياة والطاقة”.
معلم تاريخي يحتضن الحرف المعاصرة
يمثل خان الشونة واحداً من أهم الخانات الأثرية في قلب مدينة حلب القديمة، ويعد شاهداً على تاريخ طويل من النشاط التجاري الذي ازدهرت به المدينة عبر القرون، ويمنح هذا الموقع للفعاليات الثقافية والاقتصادية طابعاً استثنائياً، إذ يجمع بين القيمة المعمارية والتراثية للمكان وبين الحركة التجارية التي عرف بها منذ عهود، ويؤكد منظمو المعرض أن اختيار هذا الخان لم يكن خطوة رمزية فحسب، بل جزءا من رؤية تهدف إلى إعادة الحياة إلى أسواق حلب القديمة وإحياء دورها الطبيعي كمراكز للتجارة والحرف.
وأشار نائب رئيس غرفة تجارة حلب، حسين عيسى، في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، إلى أهمية إقامة المعرض في هذا الخان التاريخي، لما تحمله جدرانه من ذاكرة ممتدة لقرون من الإبداع والتجارة، واعتبر أن وجود مشاريع نسائية داخل هذا الصرح يخلق توازناً مميزاً بين التراث وروح العصر، ويظهر كيف يمكن للهوية الحلبية أن تتجدد عبر مبادرات اقتصادية محلية.
وشدد عيسى على البعد الاستراتيجي للفعالية، مؤكداً أن اختيار خان الشونة يحمل رسالة واضحة بأن الإبداع الحلبي ليس طارئاً أو مؤقتاً، بل هو امتداد لإرث المدينة التجاري والثقافي، وأضاف أن غرفة التجارة تعمل على تنشيط الدورة الاقتصادية عبر دعم المشاريع الصغيرة، لكونها ركيزة أساسية في المجتمعات المحلية، ولفت إلى أن المرأة الحلبية، كانت وما تزال، أحد أعمدة الاقتصاد الأسري والمجتمعي، وأن تمكينها اقتصادياً يُعد استثماراً مباشراً في مستقبل أكثر ازدهاراً واستقراراً للمدينة.
مشاركة واسعة دعماً لـ”ستّ الكل”
قالت سوسن أحمد، إحدى زائرات المعرض، إن المنتجات المعروضة “تكاد تغطي معظم احتياجات الأسرة”، مؤكدة في حديثها لـموقع تلفزيون سوريا أن رسوم الدخول المحددة بـ 5 آلاف ليرة سورية يعود ريعها بالكامل لدعم حملة “حلب ستّ الكل” المخصصة لإعادة إعمار المدينة التاريخية، واعتبرت أحمد أن هذه الخطوة “بادرة إيجابية تتيح لكل شخص فرصة المساهمة، ولو بمبلغ بسيط، في دعم الحملة، مع إمكانية الاستمتاع بفعالية تجمع بين الاقتصاد والثقافة والسياحة في آن واحد”
وقد شهد المعرض حضوراً لافتاً لجمعيات محلية متعددة، الأمر الذي أتاح لعدد كبير من السيدات عرض مشغولاتهن الحرفية ومنتجاتهن الإبداعية، وإبراز مهاراتهن أمام الجمهور الحلبي، كما شكل المعرض منصة لتبادل الخبرات وتطوير العلاقات بين النساء العاملات في قطاع المشاريع الصغيرة.
وكان من بين المشاركات فريق “أرمغان”، الذي يعرض هدايا مصنوعة من الأحجار الطبيعية مستوحاة من لوحات الفسيفساء الجدارية، وأوضحت إحدى أعضاء الفريق لموقع تلفزيون سوريا أن المبادرة انطلقت قبل عامين بهدف حماية هذا الفن من الاندثار، من خلال تحويل اللوحات الجدارية الكبيرة إلى قطع صغيرة قابلة للإهداء للأصدقاء والأقارب، مع الحفاظ على روح الفسيفساء الحلبية.
التقى موقع تلفزيون سوريا عدداً من المشاركين والزوار الذين أجمعوا على أن المعرض يشكل خطوة مهمة لإحياء التراث الحلبي وتشجيع أصحاب المشاريع الصغيرة، مؤكدين أن حجم المشاركة الواسعة يعكس اهتماماً مجتمعياً متزايداً بهذا النوع من المبادرات.
من جهتها، قالت الناشطة الاجتماعية عبير فارس، وهي إحدى المشاركات في الفعالية، إن معرض “الأنامل الحلبية” جاء ليبرز الأعمال الفنية للنساء ويفتح لهن نافذة إضافية للتعريف بمنتجاتهن، مشيرة إلى أن الفعالية تمتد لمدة تسعة أيام يذهب ريعها كاملاً لدعم حملة “حلب ستّ الكل” المخصصة لترميم المدارس والمنازل المتضررة.
وأضافت فارس لموقع تلفزيون سوريا، أن فكرة الفعالية انطلقت من رغبة لدى أهالي حلب في المشاركة بجهود إعادة إعمار مدينتهم، موضحة أن التحضير للمعرض بدأ قبل أسبوع واحد فقط، ورغم ذلك نجح في إعادة الحيوية إلى السوق الذي تعرض لدمار واسع خلال السنوات الماضية. وأكدت أن أبواب الخان ستظل مفتوحة لاستقبال المشاركين والزوار في النسخ المقبلة من المعارض والفعاليات المماثلة.
بين حجارة خان الشونة العتيقة وأيادي النساء اللواتي حملن تراثهن إلى واجهة الضوء، تعود حلب تدريجياً إلى روحها، مدينة تصنع الجمال من ركام الوجع، وتعيد بناء ذاكرتها بحرفيين صغار وحالمين كثر، ومع كل مبادرة كهذه، يتأكد أن مستقبل المدينة سيكتب بأنامل أبنائها وبناتها، وأن طريق التعافي يبدأ من هنا، من قلب أسواقها القديمة وروحها التي لا تنطفئ.











