لم يكن معاذ سلامة البعير، الشاب السوري البالغ من العمر نحو 30 عاماً والمصاب بمتلازمة داون، في موقع اشتباك عسكري عندما انتهت حياته برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في قرية جملة بمنطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي.
فجر 22 من تشرين الأول/أكتوبر، توغلت قوة عسكرية إسرائيلية في القرية، مؤلفة من نحو 12 إلى 15 آلية ومدرعة، وانتشرت في الحي الشرقي، حيث دهمت منازل ونشرت قناصة، وخلال العملية، أُطلق النار على البعير، قبل أن يُنقل باتجاه الشريط الفاصل، ليفارق الحياة متأثراً بجراحه.
لاحقاً، أُعيد جثمانه عبر بوابة تل أبو الغيثار بالتنسيق مع قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف” والدفاع المدني السوري، قبل أن يشيّعه أهالي القرية.
وأثارت الحادثة ردود فعل أممية، إذ استنكر نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، مقتل الشاب، مقدماً التعازي إلى أسرته، وداعياً إسرائيل إلى احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها والقانون الدولي.
لكن حادثة البعير لا تقف وحدها في سجل الحوادث التي شهدتها مناطق جنوبي سوريا منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، فإلى جانب القصف الجوي والمدفعي، تتكرر وقائع إطلاق النار خلال التوغلات والمداهمات، في مناطق يعيش سكانها تحت ضغط الوجود العسكري الإسرائيلي المتزايد منذ ذلك التاريخ.
وتعيد هذه الحوادث طرح تساؤلات بشأن تصاعد الممارسات العدوانية للقوات الإسرائيلية تجاه المدنيين في جنوبي سوريا، وما إذا كان إطلاق النار المباشر قد أصبح أكثر حضوراً خلال التوغلات والعمليات الميدانية، بدلاً من الاكتفاء بالطلقات التحذيرية التي كانت تُستخدم لإبعاد المدنيين عن المواقع العسكرية.
إطلاق النار المباشر.. ما الذي تغيّر؟
وثق مركز “سجل” الحقوقي على أنماط مختلفة من استخدام القوات الإسرائيلية للنيران، تشمل القصف الجوي والمدفعي، وإطلاق النار المباشر خلال التوغلات والمداهمات، إضافة إلى حوادث قتل وقعت في محيط مواقع عسكرية.
وتكمن أهمية هذه الوقائع في ضرورة التمييز بين إطلاق النار التحذيري، الذي يُستخدم بهدف إبعاد شخص عن منطقة معينة، وإطلاق النار على الشخص نفسه، بما قد يؤدي إلى إصابته أو مقتله، ففي المناطق القريبة من المواقع العسكرية الإسرائيلية، يواجه المدنيون مخاطر مرتبطة بالاقتراب من السواتر الترابية أو التحرك في مناطق تخضع لانتشار القوات الإسرائيلية، غير أن وجود شخص في محيط موقع عسكري لا يعني، بحد ذاته، أنه يشكل تهديداً يبرر استخدام القوة المميتة ضده.
وفي حادثة مقتل محمد أيمن الدبور، البالغ من العمر 22 عاماً، في أطراف قرية الحميدية بريف القنيطرة الشمالي، في 4 من تشرين الأول/أكتوبر 2026، أطلقت القوات الإسرائيلية النار عليه أثناء اقترابه من ساتر ترابي في محيط بقاعدة عسكرية، ثم سحبت جثمانه.
وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية لاحقاً بأن الدبور كان أعزل، ولم يكن يحمل سوى هاتف ومبلغ مالي، قبل تسليم جثمانه عبر الهلال الأحمر و”أندوف”.
وتثير هذه الواقعة تساؤلات بشأن طبيعة التهديد الذي قدّره الجنود في المكان، والأسس التي استندوا إليها في استخدام القوة المميتة، ولا سيما في ظل المعلومات التي تشير إلى أن الشاب لم يكن مسلحاً.
وبحسب مقابلات أجراها موقع تلفزيون سوريا، أشار الأهالي إلى أن سلوك قوات الاحتلال في التعامل مع المدنيين تغير منذ أيلول الماضي، إذ باتت تدهم المنازل بأساليب عنيفة وتعتدي على المنازل وتروع النساء، وتطلق الرصاص عشوائياً بين المدنيين بعد أن كانت تكتفي بالرصاص التحذيري والقنابل الصوتية لإبعاد المدنيين، مؤكدين أن استخدام القوة المميتة قد أصبح أكثر شيوعاً من السابق.
38 مدنياً قتلوا بنيران إسرائيلية
وفقاً لإحصاءات مركز “سجل”، قُتل ما لا يقل عن 38 مدنياً سورياً بنيران القوات الإسرائيلية خلال الفترة الممتدة من 8 من كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى 23 من تشرين الأول/أكتوبر 2026.
وتشمل الحصيلة أربع عمليات رئيسية أسفرت عن مقتل أكثر من شخص، إلى جانب ست حوادث منفردة قُتل في كل منها مدني واحد.
وكانت بلدة بيت جن في ريف دمشق الغربي من أكثر المناطق التي شهدت سقوط ضحايا، إذ قُتل 13 مدنياً في 28 من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بينهم ثلاثة أطفال وامرأتان، خلال عملية عسكرية إسرائيلية بدأت بتوغل لتنفيذ اعتقالات، ثم شهدت اشتباكات وقصفاً مدفعياً واستدعاء طائرات مروحية ومسيّرة.
وأدت العملية، وفقاً للمعلومات نفسها، إلى تدمير نحو 20 منزلاً بالكامل ونزوح قرابة ثلاثة آلاف شخص.
وفي مدينة نوى بريف درعا، قُتل تسعة مدنيين خلال الهجوم الإسرائيلي الذي بدأ في 2 من نيسان/أبريل 2025 وتصاعد في اليوم التالي، مع انتقال القصف إلى مناطق سكنية مأهولة.
أما في قرية كويا بحوض اليرموك، فقُتل سبعة مدنيين في 25 من آذار/مارس 2025، بينهم نساء ومراسل قناة إخبارية، خلال توغل إسرائيلي أعقبته اشتباكات وقصف مدفعي وجوي.
وفي 17 من آذار/مارس من العام نفسه، أسفرت غارات إسرائيلية قرب مدينة درعا عن مقتل ثلاثة مدنيين وإصابة 18 آخرين، بينهم سيدة وأربعة أطفال.
وتشير هذه الوقائع إلى أن القصف الجوي والمدفعي شكّل أحد أبرز أسباب سقوط الضحايا خلال العمليات الإسرائيلية، في حين تبرز حوادث أخرى مرتبطة بإطلاق النار المباشر خلال التوغلات أو قرب المواقع العسكرية.
وبحسب المركز، سُجلت خلال عام 2026 حالة قتل واحدة في نيسان/أبريل، قبل تسجيل حالتي قتل في تشرين الأول/أكتوبر.














