جدد محافظ السويداء، مصطفى البكور، دعوته إلى إطلاق حوار جاد بين الحكومة السورية وأهالي المحافظة، بهدف التوصل إلى حلول للأزمة المستمرة منذ مواجهات تموز 2025، التي خلّفت مئات القتلى والجرحى، وتسببت بنزوح آلاف السكان، وسط تحديات أمنية وإنسانية واقتصادية ما تزال تلقي بظلالها على الحياة اليومية.
وتأتي دعوات البكور في وقت تتواصل فيه المساعي لمعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها عودة النازحين، والكشف عن مصير المفقودين والمحتجزين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، إلى جانب استعادة الخدمات الأساسية، وسط تباين في المواقف المحلية بشأن الجهات التي ينبغي أن تتولى التفاوض مع الحكومة والضمانات المطلوبة لأي تسوية مقبلة.
وفي سلسلة رسائل نشرتها محافظة السويداء عبر قناتها الرسمية، دعا البكور الأهالي إلى تغليب لغة الحوار والتفاهم، ووضع مصلحة المحافظة وسلامة سكانها فوق الاعتبارات الأخرى، مؤكداً ضرورة العمل على استعادة الأمن والاستقرار وحماية الحقوق.
وقال البكور في إحدى رسائله إلى الأهالي إن “الجلوس إلى طاولة الحوار لا يعني التنازل عن الحقوق، والمصالحة لا تعني نسيان المظالم، والتفاهم لا يعني التخلي عن الكرامة”، مؤكداً أن القضايا العالقة والمظالم تستحق المعالجة الجادة والعادلة، وأن الوصول إلى حل يتطلب ضمانات حقيقية وخطوات ملموسة تعيد الثقة.
كما وجّه المحافظ دعوة إلى وجهاء السويداء وعقلائها وفعالياتها الاجتماعية للمساهمة في تقريب وجهات النظر وتهيئة الظروف لحوار جاد مع الدولة، يقوم على الوضوح والعدالة وضمان الحقوق.
وأوضح البكور، في تصريحاته، أن استمرار القطيعة لن يؤدي إلى معالجة الأزمات، وأن طريق الحوار، على الرغم من صعوبته، يبقي فرص التفاهم قائمة ويجنب السكان مخاطر اتساع دائرة العنف. مؤكداً أن مستقبل المحافظة ينبغي ألا يكون رهينة حسابات الأطراف الخارجية، داعياً إلى حلول تحفظ كرامة الأهالي وتضمن حقوقهم ضمن إطار الدولة السورية.
الحل سوري ـ سوري والمفاوضات لم تتوقف
من جهته، قال الدكتور كنان مسعود، الناطق باسم مبادرة التيار الثالث، إن المفاوضات بين الحكومة السورية والجهات التي تتولى القرار في السويداء لم تتوقف، مشيراً إلى أن النقاشات تشمل ملفات خدمية وقضايا أخرى عالقة، من بينها ملف المحتجزين.
وأوضح مسعود في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن ما يجري لا يقتصر على المسائل الخدمية، معتبراً أن أزمة السويداء والجنوب السوري أصبحت مرتبطة بتفاهمات إقليمية وأمنية أوسع، وهو ما يجعل مسار الحل متأثراً أيضاً بالتفاهمات الدولية المتعلقة بالمنطقة.
وفي قراءته لدعوات المحافظ مصطفى البكور، رأى مسعود أن التواصل مع المواطنين ومعالجة احتياجاتهم استمرا خلال الفترة الماضية، لافتاً إلى ملفات الموظفين الذين فُصلوا من وظائفهم ثم أعيدوا إليها، ومطالب العاملين بالحصول على مستحقاتهم، إلى جانب مشكلات الكهرباء والمياه والبنية التحتية.
وشدد مسعود على أن الحل، من وجهة نظره، ينبغي أن يكون سورياً ـ سورياً، بعيداً عن تحويل المحافظة إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، لكنه أشار إلى أن استمرار حالة الاستعصاء، أضعف فرص التوصل إلى تسوية داخلية، وزاد من معاناة السكان الذين يحتاجون إلى استعادة حياتهم الطبيعية.
وفي هذا السياق، وضع مسعود ملف المهجّرين في مقدمة الأولويات، مقدّراً عدد النازحين من المكون الدرزي بنحو 150 ألف شخص، ومن عشائر المحافظة بأكثر من 35 ألفاً.
ودعا إلى التوصل سريعاً إلى اتفاق يضمن سلامة المهجّرين وأمنهم وعودتهم الآمنة إلى مناطقهم، إلى جانب إجراء محاكمات علنية للمسؤولين عن الجرائم والانتهاكات من مختلف المكونات، وإعادة الحقوق إلى أصحابها وتعويض المتضررين وجبر الضرر.
أما بشأن الأطراف التي ينبغي أن تشارك في أي مفاوضات مقبلة، فأعرب مسعود عن اعتقاده بأن الشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز المرجعيات الدينية في السويداء، لم يعد مقبولاً لدى شريحة واسعة من الأهالي بوصفه طرفاً في الحل.
وطرح في المقابل أهمية إشراك وجهاء وفعاليات اجتماعية وسياسية، بما فيها حركة رجال الكرامة، في مسار تفاوضي يسعى إلى بناء عقد اجتماعي جديد بين أبناء المحافظة، بصرف النظر عن انتماءاتهم الطائفية أو الإثنية.
كما حذر من التداعيات التي قد تترتب على تعطل التعليم، مشيراً إلى أن استمرار الانقطاع الدراسي وحرمان الطلاب من استكمال مراحلهم التعليمية قد يخلّف آثاراً طويلة الأمد على مستقبل الأجيال الشابة في السويداء.
الحل ليس تنازلاً عن الحقوق
في المقابل، يرى صحفي من السويداء، فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن الدعوة إلى الحوار لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تخلياً عن الحقوق أو قبولاً بتجاوز الانتهاكات التي شهدتها المحافظة.
وقال لموقع تلفزيون سوريا إن الدعوات إلى التفاوض من داخل وخارج السويداء تواجه اتهامات بالتنازل عن الكرامة أو التفريط بدماء الضحايا، لكنه يرفض هذا الربط، مؤكداً أنه لا تراجع عن المطالبة بمحاسبة المسؤولين عما جرى، بمن فيهم المسؤولون عن الإعدامات الميدانية وحرق القرى وسرقة المنازل سواء كانوا مدنيين مسلحين أو عسكريين.
وأضاف أن الواقع الحالي لا يتيح اللجوء إلا للتفاوض لتجنب مزيد من الخسائر البشرية، مشيراً إلى تجربة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المنحلة في التفاوض على الحقوق والدمج.
وفيما يتعلق بتمثيل السويداء، أعرب الصحفي عن اعتقاده بأن أي حوار مستقبلي ينبغي أن يضم وجهاء وفعاليات محلية تحظى بالقبول، وأن يضع مصلحة الأهالي فوق الحسابات الشخصية والسياسية.
كما عبّر عن رفضه مشاركة الهجري في أي مسار تفاوضي مقبل، معتبراً أنه “جزء من المشكلة”.
ولفت إلى أن استمرار الأوضاع الراهنة ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية، من التعليم والعمل إلى حركة السكان واستعادة النشاط الاقتصادي، محذراً من أن استمرار العزلة والتوتر قد يزيد من تراجع الخدمات والفرص المتاحة أمام أبناء المحافظة.
خريطة الطريق الثلاثية.. من التفاهمات إلى التنفيذ
تتزامن دعوات الحوار مع استمرار الحديث عن تنفيذ خريطة الطريق الثلاثية التي أعلنتها سوريا والأردن والولايات المتحدة في 16 أيلول 2025، لمعالجة الأزمة في المحافظة وتعزيز الاستقرار في الجنوب السوري.
وتضمنت الخريطة مجموعة من الإجراءات السياسية والأمنية والإنسانية، شملت تثبيت وقف العنف، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإعادة الخدمات الأساسية، وتسهيل عودة المهجّرين، والكشف عن مصير المفقودين والمحتجزين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، إلى جانب إطلاق مسار للمصالحة الوطنية.
كما نصت على العمل لإنهاء التدخلات الخارجية، وإجراء مشاورات بشأن الترتيبات الأمنية في الجنوب، مع التأكيد على سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
وسبق أن نقلت وكالة الأنباء السورية “سانا” عن مصدر حكومي تأكيده أن إسرائيل عملت على تسليح مجموعات مسلحة لإثارة الفوضى في السويداء خلال أحداث تموز 2025، ودفع البلاد نحو مواجهة أوسع.
وقال المصدر، في حينها، إن قصف القوات الإسرائيلية، الذي اعتبر أنه أعاق تدخل الحكومة لإنهاء المواجهات بين مجموعات من الدروز والبدو، توقف بوساطة أميركية، مشيراً إلى استمرار التنسيق مع واشنطن وعمّان لتنفيذ خريطة الطريق.
وأكد المصدر أن دروز السويداء جزء أصيل من النسيج الوطني السوري، رافضاً إقحامهم في التجاذبات الإقليمية والسياسية الإسرائيلية.
لكن الانتقال من الإعلان عن خريطة الطريق إلى تنفيذ بنودها ما يزال يطرح أسئلة بشأن الأطراف المشاركة، والضمانات الأمنية، ومصير المحتجزين، وسبل المحاسبة، وآليات عودة المهجّرين، وهي ملفات تتجاوز الدعوات العامة إلى الحوار، لتضع الأطراف المعنية أمام استحقاق التوصل إلى تفاهمات عملية قابلة للتنفيذ.
إرث تموز 2025 يثقل فرص التسوية
تعود جذور الأزمة الراهنة إلى المواجهات الدامية التي شهدتها السويداء في تموز 2025، حين اندلعت اشتباكات بين مجموعات مسلحة محلية، قبل أن تتوسع مع تدخل القوات الحكومية ووقوع مواجهات بينها وبين فصائل محلية، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى ونزوح أعداد كبيرة من المدنيين.
وتزامنت الأحداث مع غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع للقوات الحكومية في السويداء، إضافة إلى مواقع عسكرية في دمشق، بينها مقر وزارة الدفاع.
وزعمت إسرائيل أن تدخلها آنذاك جاء لحماية الدروز ومنع انتشار القوات السورية في الجنوب، في حين أكدت دمشق أن الضربات الإسرائيلية أعاقت جهود احتواء المواجهات.
ومنذ ذلك الحين، ما تزال تداعيات الأحداث حاضرة في مختلف جوانب الحياة داخل المحافظة، مع استمرار الملفات المتعلقة بالمهجّرين والمفقودين والمحتجزين، والأضرار التي لحقت بالممتلكات والبنية التحتية، فضلاً عن تراجع الخدمات وتعطل قطاعات حيوية، بينها التعليم والعمل.
وفي ظل إرث الماضي، تلتقي دعوة البكور إلى الحوار مع مطالب سياسية ومحلية بضرورة الانتقال إلى حلول عملية، لكنها تصطدم بتحديات تتعلق بالثقة والتمثيل والعدالة والضمانات الأمنية.














