موقع الدفاع العربي – 15 مايو 2026: أثار تقرير صادر عن أحد مراكز الدراسات الاستراتيجية في الولايات المتحدة اهتمام الأوساط العسكرية، بعدما قدّم رقمًا لافتًا مفاده أن البصمة الرادارية المقطعية لطائرة “إف-22 رابتور” (F-22 Raptor) أكبر بنحو مئة مرة مقارنة بالمقاتلة الصينية “تشنغدو جي-20” (Chengdu J-20).
ووفق التقرير، فإن هذا الفارق قد يبدو للوهلة الأولى وكأنه تفوق لصالح الطائرة الأمريكية، لكنه في الواقع، وفقًا لوسائل إعلام صينية، يعكس اختلافًا جذريًا في فلسفة التصميم والمهام القتالية أكثر مما يعكس تفوقًا تقنيًا مطلقًا لطرف على آخر.
وأوضح التقرير أن البصمة الرادارية الأمامية لـF-22 تُقدَّر بحوالي 0.0001 متر مربع، وهي قيمة متناهية الصغر تجعل الطائرة شبه غير مرئية على شاشات الرادار، إذ تظهر كإشارة دقيقة للغاية تكاد تشبه نقطة ضوء ضئيلة.
في المقابل، تُقدَّر البصمة الرادارية لـJ-20 وفق تقديرات مفتوحة المصدر بين 0.025 و0.1 متر مربع، أي أعلى بعدة مراتب من نظيرتها الأمريكية. لكن التقرير شدد على أن مفهوم التخفي لا يقوم على معيار “الأصغر دائمًا”، بل على “الأكثر ملاءمة للمهمة”.
فـF-22 التي صُممت في تسعينيات القرن الماضي جاءت ضمن سياق استراتيجي أمريكي هدفه امتلاك قدرة اختراق عميق للدفاعات الجوية المعادية، ما فرض تضحية بجوانب أخرى مثل مدى التحليق وسعة التسليح الداخلية وارتفاع تكاليف التشغيل بشكل كبير.
أما J-20، فيشير التقرير إلى أنها بُنيت وفق منطق مختلف يرتبط بمهام الدفاع الإقليمي والاشتباك بعيد المدى داخل مسارح عمليات قريبة نسبيًا. وبدل التركيز على “الاختراق العميق”، تعتمد العقيدة الصينية على استهداف عناصر المنظومة الجوية المعادية مثل طائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود التي تشكل العمود الفقري للعمليات الجوية الأمريكية في آسيا.
هذا التوجه يسمح بتصميم أكبر حجمًا للمقاتلة، ما يوفر مساحة لوقود إضافي، وحجرات تسليح أوسع، وصواريخ بعيدة المدى، مقابل تنازل جزئي في مستوى التخفي الأمامي مقارنة بـF-22. كما أن اعتماد تصميم الجناح الأمامي (الكانارد) يمنحها قدرة مناورة أعلى مقابل تقليل نسبي في مثالية البصمة الرادارية.
التقرير لخص هذا الاختلاف بعبارة مفادها أن F-22 صُممت لـ“الاختراق إلى الداخل”، بينما J-20 صُممت لـ“منع الاختراق”.
في موازاة ذلك، تشير تقارير إلى تسارع كبير في إنتاج المقاتلات الصينية من الجيل الخامس، مع تقديرات غير مؤكدة بأن إنتاج “شنيانغ جي-35” (Shenyang J-35) قد يتجاوز 160 طائرة سنويًا، إلى جانب تطورات في مشاريع أخرى مثل H-20 والمقاتلة المستقبلية J-36، وهو ما يعكس اتساع القاعدة الصناعية الجوية الصينية.
وفي المقابل، قدّرت بعض مراكز الأبحاث الغربية، من بينها المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إمكانية امتلاك الصين نحو 1000 طائرة من عائلة J-20 بحلول عام 2030، وهو تقدير أثار جدلاً واسعًا في الأوساط الدفاعية الغربية. غير أن محللين عسكريين يرون أن هذه التقديرات لا تأخذ بعين الاعتبار تنوع المنظومة الجوية الصينية، التي لا تعتمد على مقاتلة واحدة، بل على شبكة متكاملة تشمل الإنذار المبكر والحرب الإلكترونية والطائرات متعددة المهام والأنظمة غير المأهولة.
ويرى هذا الاتجاه التحليلي أن جوهر القتال الجوي الحديث لم يعد قائمًا على أداء منصة واحدة، بل على تكامل منظومة كاملة تشمل الرادارات، والربط الشبكي، والحرب الإلكترونية، والصواريخ بعيدة المدى، وهو ما يجعل التفوق مرتبطًا بقدرة النظام القتالي ككل وليس الطائرة منفردة.
ويُستشهد في هذا السياق بتجارب الاشتباك الجوي بين باكستان والهند خلال عملية سيندور في مايو 2025، حيث أظهرت المعارك أن التفوق الحاسم يعود للمنظومة المتكاملة أكثر من تفوق الطائرات الفردية.
في جانب التسليح، أشار التقرير إلى أن صاروخ PL-15 يمنح J-20 قدرة على الاشتباك من مسافات قد تتجاوز 200 كيلومتر (بما بين 200 و300 كيلومتر)، ما يقلل من أهمية الفارق في البصمة الرادارية داخل سيناريوهات القتال خارج مدى الرؤية.
كما لفت إلى أن القيود على بعض المعادن الاستراتيجية المستخدمة في الصناعات الجوية تؤثر على وتيرة الإنتاج في الغرب، في حين تواصل الصين توسيع إنتاجها من المقاتلات المتقدمة بمعدلات متسارعة، ما يخلق فجوة ديناميكية في التوازن الصناعي.
في المقابل، تعمل الولايات المتحدة على إعادة توزيع قوتها الجوية عبر نموذج “الانتشار القتالي المرن”، الذي يقوم على تفكيك التشكيلات الجوية ونشرها على قواعد متعددة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بهدف تقليل قابلية استهدافها في ضربة واحدة. لكن هذا النهج، وفق وسائل إعلام صينية، يفرض تحديات لوجستية وتشغيلية معقدة ويزيد من عبء التنسيق الميداني.
وفي السياق نفسه، تتجه الصين نحو تعزيز مفهوم “القتال الشبكي”، عبر دمج الطائرات المأهولة وغير المأهولة ضمن تشكيلات واحدة، خصوصًا مع تطوير نسخ مثل Chengdu J-20S التي يُتوقع أن تؤدي دور مركز قيادة للطائرات المسيرة المرافقة.
وخلص التحليل إلى أن المقارنة بين J-20 وF-22 لا تعكس تفوقًا مطلقًا لطرف على حساب الآخر، بل تكشف اختلافًا في العقيدة القتالية: الأولى صُممت لمنع الوصول وفرض السيطرة الإقليمية، والثانية صُممت للاختراق العميق في مسارح عمليات بعيدة.
وبناءً على ذلك، فإن التحدي الاستراتيجي الحقيقي لا يتمثل في طائرة بعينها، بل في تشكل شبكة متكاملة من القدرات الجوية والصاروخية والإلكترونية تعيد تعريف ميزان القوة في السماء، حيث تصبح المواجهة بين أنظمة قتالية كاملة بدلًا من طائرات منفردة.














