ريهام عبد الغفور .. صعود هادئ لواحدة من مفاجآت الدراما المصرية

بدأت ريهام عبد الغفور مسيرتها التمثيلية مع مطلع الألفية الثالثة، ضمن جيل واسع من الممثلين والممثلات الذين ظهروا في أعمال جماعية ضخمة مثل “زيزينيا” و”حديث الصباح والمساء”، وظهرت معها في هذين العملين أسماء أصبحت لاحقا من نجوم الصف الأول.

ووسط هذا الزحام لم تكن ريهام من الوجوه التي لفتت الانتباه مبكرا، بل بدت بداياتها متواضعة، وأقرب إلى حضور عابر داخل أعمال “أكبر منها”.

على مدار نحو ربع قرن تنقلت ريهام عبد الغفور بين أدوار متنوعة، دون أن يبدو في سنواتها الأولى ما يشير إلى المسار الذي وصلت إليه لاحقا. لم تكن انطلاقتها تعكس الإمكانات التي كشفت عنها بعد ذلك، ولا المكانة التي تحتلها اليوم داخل الدراما التلفزيونية، وهو ما يجعل مسيرتها واحدة من أكثر المسيرات إثارة للدهشة بين ممثلات جيلها.

فبعد بداية غير لافتة، استطاعت أن تعيد تشكيل حضورها تدريجيا، إلى أن وصلت في السنوات الأخيرة إلى موقع متقدم، توجته بأدوار ثقيلة ومركبة جعلتها في صدارة المشهد الدرامي، بل وعلى ما يمكن اعتباره عرش المسلسلات التلفزيونية هذا العام، في مفارقة لافتة لم تكن متوقعة لمن تابع ظهورها الأول.

تبدو مسيرة ريهام عبد الغفور أقرب إلى إعادة اكتشاف وتحسين مستمرين للنفس، فبعد بدايات لم تترك أثرا حاسما، يمكن اعتبار مسلسل “وادي الملوك” (2011) أول محطة حقيقية لها، من خلال شخصية “عائشة”، الفتاة الهاربة من تهديد مرعب، والتي تتحرك داخل بيئة صعيدية مشحونة بالصراعات العائلية والسلطة.

لم يكن الدور استثنائيا في كتابته، لكنه أتاح لها مساحة لإظهار حضور أكثر حساسية من أعمالها السابقة، وهي النقطة التي ستتطور في أعمالها اللاحقة، خصوصا في التفاصيل الصغيرة في الأداء، والتي أظهرت هشاشة الفتاة.

يأتي التحول الأوضح لاحقا مع فيلم “لا تطفئ الشمس” (2017)، وشخصية “فيفي”، الفتاة شديدة الغيرة، محدودة الجمال مقارنة بوالدتها وأختيها، والتي نذرت نفسها للبحث العلمي في محاولة لتعويض هذا الفارق، غير أن المرارة التي لا تفارقها تجعلها حادة على غير إرادتها، وهنا تبدأ ريهام في التخلي عن الأداء الخارجي، معتمدة على انفعالات داخلية أكثر هدوءا تعكس صراعات الشخصية.

هذا الأداء تعمق مع شخصية “فريدة” في “زي الشمس” (2019)، وهي المرأة التي تصبح محور المسلسل على الرغم من غيابها منذ الحلقة الأولى، إذ يعيد المتفرج تشكيل شخصيتها عبر المشاهد المختلفة التي تظهر فيها من خلال ذاكرة من حولها.

تبلغ هذه الرحلة نقطة تحول حقيقية مع مسلسل “وش وضهر” (2022)، وشخصية “ضحى”، واستمر تألق ريهام في أعمال أخرى كثيرة، كما في “ظلم المصطبة” (2025)، من خلال شخصية “هند”، المرأة التي تواجه ضغوطا اجتماعية ونفسية، ما يفرض عليها توازنا دقيقا بين الانكسار والمقاومة، وهو ما قدمته بأداء متماسك يخلو من المبالغة.

ويتجلى هذا الأداء الجيد بشكل أوضح في “حكاية نرجس” (2026)، مع شخصية “نرجس”، التي لشتهرت بها كثيرا في رمضان الماضي، والتي تتحول من امرأة تعاني بسبب ضغط مجتمعها نتيجة لعدم إنجابها، إلى شخصية تتخذ مجموعة من القرارات القاسية.

تمثيل بلا ضجيج

بعيدا عن تتبع مسارها الزمني، يمكن قراءة تجربة ريهام عبد الغفور من خلال الطريقة التي تؤدي بها، فما يميزها في السنوات الأخيرة ليس اختيار الأدوار المأزومة فحسب، بل الصورة التي تقدم من خلالها هذه الشخصيات.

فعلى سبيل المثال، نلاحظ في أحدث أعمالها “حكاية نرجس” أن الشخصية تبدأ مستضعفة، لكنها عنيفة من الداخل، كأنها نار تغلي لا نرى منها سوى القليل من الدخان. غير أن هذا العنف الداخلي يظهر في طريقة حركتها ونظرات عينيها، مما يجعل أفعالها القاسية في الحلقات التالية مفهومة ومعدا لها بدقة. وهذا الإعداد لا يرجع فقط إلى كتابة الشخصية، بل إلى أسلوب التمثيل الذي تنتهجه.

كذلك تعتمد ريهام عبد الغفور على قدر كبير من الاقتصاد في الأداء الجسدي، فلا تستخدم الحركة وسيلة أساسية للتعبير، بل تميل إلى الثبات، بحيث يصبح الوجه، وتحديدا العينان، المجال الرئيسي لنقل الانفعال. هذا السكون يمنح شخصياتها عمقا إضافيا، لأن ما لا يُقال يصبح أكثر أهمية مما يُقال، ويخلق توترا مستمرا حتى في المشاهد الهادئة.

  • Related Posts

    المفكرة الثقافية في سوريا ليوم الجمعة الـ 23 من تشرين الأول 2026

    دمشق: 1 – عرض أفلام الأطفال والعائلة والرسوم المتحركة المدبلجة “قلباً وقالباً” و”السنافر: القرية المفقودة”، في صالة سينما الكندي بدمر، الساعة الـ 4:00 عصراً، والساعة الـ 6:00 مساءً. 2 –…

    الدراما العمودية والذكاء الاصطناعي.. إنتاج أسرع وأسئلة عن مستقبل الإبداع

    يتسع حضور الدراما العمودية القصيرة المولّدة بالذكاء الاصطناعي على المنصات الرقمية، في تحول يطال تكلفة الإنتاج وسرعته وفرص العمل، ويفتح أسئلة عن قدرة التقنية على تقديم حكايات متماسكة وأداء مقنع،…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    قد فاتك المحتوي

    النفط يرتفع فوق 113 دولاراً للبرميل وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات

    النفط يرتفع فوق 113 دولاراً للبرميل وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات

    تحليق واسع للطيران الحربي الإسرائيلي فوق سوريا.. سرب يعبر باتجاه العراق قبل عودته

    تحليق واسع للطيران الحربي الإسرائيلي فوق سوريا.. سرب يعبر باتجاه العراق قبل عودته

    النرويج تتعهد بنحو 9.5 ملايين دولار لصندوق إعادة إعمار سوريا

    النرويج تتعهد بنحو 9.5 ملايين دولار لصندوق إعادة إعمار سوريا

    الشيباني وفيدان يبحثان هاتفيا مستجدات المنطقة وتعزيز التعاون السوري التركي

    الشيباني وفيدان يبحثان هاتفيا مستجدات المنطقة وتعزيز التعاون السوري التركي

    الأردن والإمارات يبحثان سبل توسيع التعاون الثنائي في قطاع النقل الجوي

    الأردن والإمارات يبحثان سبل توسيع التعاون الثنائي في قطاع النقل الجوي

    وزير الخارجية يصل إلى الدوحة لإجراء مباحثات مع ‌‏مسؤولين ‏قطريين

    وزير الخارجية يصل إلى الدوحة لإجراء مباحثات مع ‌‏مسؤولين ‏قطريين

    سوريا والسعودية.. شراكة استراتيجية تدعم التعافي وتفتح ‏مسارات الإعمار والاستثمار

    سوريا والسعودية.. شراكة استراتيجية تدعم التعافي وتفتح ‏مسارات الإعمار والاستثمار

    مباحثات سورية أمريكية تهدف لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين

    مباحثات سورية أمريكية تهدف لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين

    سوريا تشارك في اجتماع مجلس أمناء المعهد ‏العربي للتدريب والبحوث بجدة

    سوريا تشارك في اجتماع مجلس أمناء المعهد ‏العربي للتدريب والبحوث بجدة

    مباحثات سورية رومانية لتعزيز التعاون وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية

    مباحثات سورية رومانية لتعزيز التعاون وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية

    الرئيس الشرع يبحث فرص الاستثمار مع أعضاء غرفة التجارة الأمريكية ‏وممثلي شركات كبرى

    الرئيس الشرع يبحث فرص الاستثمار مع أعضاء غرفة التجارة الأمريكية ‏وممثلي شركات كبرى

    الشيباني: سوريا تختتم مشاركتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة

    الشيباني: سوريا تختتم مشاركتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة
    Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com