التهريب عبر الحدود السورية الأردنية: لماذا تحولت السويداء إلى نقطة اشتعال أمنية؟

البوصلة – سامي الملا
دمشق — عمان: لعبة الخطوط غير المرئية على حدود متعددة التحديات

تظل الحدود السورية – الأردنية، وعلى وجه الخصوص الشريط الحدودي الممتد من ريف درعا حتى ريف السويداء الجنوبي، مسرحًا معقدًا لعمليات تهريب متعددة الأهداف، على النقيض من الحدود الرسمية التقليدية، ففي السنوات الماضية، وحتى خلال الفترة الأخيرة، تصاعدت عمليات التهريب عبر هذه الحدود، متخذة صورًا عدة — من المخدرات إلى الأسلحة والمواد غير المشروعة — مما جعل الملف الأمني ذا أولوية عالية في صنع القرار لدى عمان ودمشق على حد سواء.

السويداء: نقطة تماس استراتيجية

محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية والممتدة نحو الحدود الأردنية في الجنوب، لم تتخلَّ عن موقعها الجغرافي الاستراتيجي منذ اندلاع الأزمة السورية، فقد اتجهت بعض جماعات التهريب لاعتبار مناطقها الحدودية ممرًّا نسبيًا للعمليات غير المشروعة، بسبب التضاريس الصعبة وغياب السيطرة الأمنية الكاملة في بعض الأجزاء، إضافة إلى ضعف التنسيق الأمني في سنوات الحرب الماضية.

تهريب المخدرات: مصدر قلق مشترك

أحد أبرز أشكال التهريب التي جذبت اهتمام السلطات في كلا البلدين هو تهريب المخدرات، وخاصة حبوب الكبتاغون، كانت شبكات تهريب المخدرات عبر الحدود السورية–الأردنية محور اهتمام أمني واقتصادي، إذ تستخدم الطرق البرية غير الرسمية في البادية، وفي بعض الأحيان تنشط شبكات تمتد من مناطق في درعا إلى السويداء ومن هناك إلى الأردن.

العمليات غير المشروعة كانت تشكّل عبئًا على الاقتصاد الرسمي والتجارة العادية بين البلدين، مما دفع السلطات الأردنية إلى اتخاذ إجراءات أمنية متصاعدة على الحدود، وبما في ذلك التشديد على التفتيش في المعابر الرئيسية والرقابة على الشاحنات العابرة، رغم استمرار وجود محاولات تهريب عبر نقاط غير رسمية صعبة المراقبة.

عمّان تُرفع مستوى المواجهة

في تطور لافت خلال نهاية ديسمبر 2025، أعلنت السلطات الأردنية تنفيذ سلسلة غارات جوية على مواقع في جنوب سوريا وخاصة في ريف السويداء مستهدفة ما وصفته بشبكات تهريب المخدرات والأسلحة والمعدات المرتبطة بها، وشملت الضربات مخازن ومستودعات تُستخدم لإعداد الشحنات المرسلة إلى داخل الأردن.

وجاءت هذه العمليات بعد أسابيع من اشتباكات متقطعة بين قوات أردنية وعناصر تهريب حاولت التسلل عبر المناطق الحدودية، ما يشير إلى استراتيجية أمنية أردنية أكثر حزماً في التعامل مع التهريب، ليست فقط على مستوى مكافحة المخدرات بل على مستوى ترسيخ الاستقرار على الحدود الطويلة مع سوريا.

التعاون الأمني: من المواجهة إلى التنسيق

إزاء هذه التحديات الأمنية، لم تقتصر الاستجابات على المواجهات الميدانية وحدها، فبحسب بيانات رسمية مشتركة، أجهزة مكافحة المخدرات في سوريا والأردن نجحتا في إحباط عدة محاولات تهريب في الفترة الماضية، وتمّ ضبط كميات كبيرة من الحبوب المخدرة وإحباط سبع محاولات عبور غير قانوني للمواد المخدرة، في إطار تعاون ثنائي وتبادل معلوماتي بين الأجهزة الأمنية.

هذا التنسيق الأمني المتزايد بين البلدين، بالرغم من التوترات السياسية المتفجرة في مناطق أخرى من الحدود، يسلّط الضوء على إدراك مشترك لحجم الخطر الذي تمثّله شبكات التهريب على الأمن الداخلي والاستقرار المجتمعي في كلتا الدولتين.

أبعاد اجتماعية واقتصادية تتقاطع مع الملف الأمني

لم يقتصر تأثير التهريب على البعد الأمني فحسب، بل امتد إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية في محافظة السويداء، إذ يذكر محللون أن تدفق المخدرات عبر المنطقة قد ساهم في تفاقم مشاكل اجتماعية محلية، بسبب ارتباط شبكات التهريب بجماعات مسلحة أو بالأسواق السوداء، مما يزيد الضغط على المجتمعات المحلية ويستدعي تدخل المجتمع المدني لمواجهة النتائج السلبية لهذا النشاط غير المشروع.

معركة حدودية بين الضبط والتحدي المستمر

يبقى التهريب عبر الحدود السورية – الأردنية أحد أكثر الملفات تعقيدًا على طاولة صناع القرار في عمّان ودمشق، كونه يتجاوز كونه نشاطًا إجراميًا عابرًا ليصبح ظاهرة مركّبة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، فبينما يواصل الأردن سياسة أمنية أكثر صرامة تشمل الغارات الجوية والعمليات البرية والاستهداف الاستباقي لشبكات التهريب، يعمل الطرفان – ولو بوتيرة متفاوتة – على تعزيز التعاون الأمني وتبادل المعلومات للحد من تمدد هذه الشبكات وتقليص قدرتها على العمل عبر الحدود.

إلا أن المقاربة الأمنية، على أهميتها، تبقى غير كافية إذا ما عولجت بمعزل عن الأسباب العميقة التي تغذي التهريب، فغياب التنمية المحلية في المناطق الحدودية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وضعف السيطرة على المعابر غير الرسمية، كلها عوامل توفر بيئة حاضنة لنشاط التهريب وتجعل من بعض المجتمعات المحلية طرفًا متضررًا أو مضطرًا للانخراط فيه. من هنا، تبرز الحاجة إلى استراتيجية شاملة لا تكتفي بالضبط العسكري، بل تمتد إلى معالجة اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد.

الطقس… عامل خفي في تصاعد التهريب

خلال الفترة الماضية، لوحظ ازدياد ملحوظ في محاولات التهريب المتزامنة مع ظروف جوية محددة، لا سيما خلال العواصف الرملية، والضباب الكثيف، وانخفاض مدى الرؤية ليلًا، إضافة إلى فترات الشتاء القاسية، حيث تستغل شبكات التهريب هذه الظروف الطبيعية لتقليل فعالية المراقبة البصرية والتقنيات الحرارية، ما يمنحها هامش حركة أوسع للمناورة والتسلل عبر المناطق الصحراوية والوعرة.

هذه المعطيات تؤكد أن التهريب لم يعد نشاطًا عشوائيًا، بل بات عملية منظمة تُدار بعقلية احترافية، تراعي التوقيت الجغرافي والمناخي بدقة، وتُظهر قدرة عالية على التكيّف مع الإجراءات الأمنية المتغيرة، وهو ما يفرض على الجهات المعنية تطوير أدواتها التقنية والاستخبارية، وربط الجهد الأمني بعوامل الطقس والبيئة الميدانية.

رأي وتحليل

من وجهة نظر مهنية، فإن معركة الحدود اليوم ليست فقط مع عصابات تهريب، بل مع نموذج اقتصادي غير مشروع وجد خلال الفوضى والفراغات الأمنية فرصة للنمو، وإن الاستمرار في سياسة الردع ضروري، لكنه يجب أن يترافق مع إعادة تعريف دور الدولة في الأطراف الحدودية، وتعزيز حضورها الخدمي والاقتصادي، بما يسحب الذرائع من أيدي شبكات التهريب.

كما أن أي نجاح مستدام في ضبط الحدود السورية–الأردنية سيظل مرهونًا بإرادة سياسية مشتركة، تتجاوز الحلول الظرفية، وتؤسس لتعاون طويل الأمد يأخذ بعين الاعتبار الأمن، والتنمية، والمجتمع المحلي كحزمة واحدة لا يمكن فصل عناصرها.

Related Posts

شراكة ماستركارد و”قطر الوطني”.. كيف تنعش سوق سوريا؟

أحمد العكلة أعلنت شركة ماستركارد منح مجموعة QNB – أكبر مؤسسة مالية في الشرق الأوسط وأفريقيا – ترخيصا يتيح توسيع أنشطته في إصدار البطاقات وقبول المدفوعات داخل سوريا. ويأتي هذا الترخيص…

فرار عناصر داعش… جرس إنذار قديم يتجدد في خاصرة سوريا المنهكة

سامي الملا – البوصلة من موقع المتابع للشأن السوري منذ ثلاثة عقود، لا يمكن النظر إلى الأنباء المتداولة حول فرار عناصر من تنظيم داعش من مراكز احتجاز في شمال شرق…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد فاتك المحتوي

مسؤول بالبيت الأبيض: ويتكوف سيزور إسرائيل وسيلتقي مع نتنياهو

مسؤول بالبيت الأبيض: ويتكوف سيزور إسرائيل وسيلتقي مع نتنياهو

في اتصال هاتفي.. الشرع وماكرون يبحثان آخر التطورات في سوريا

في اتصال هاتفي.. الشرع وماكرون يبحثان آخر التطورات في سوريا

قطر والعراق ترحبان باتفاق الحكومة السورية و”قسد”

قطر والعراق ترحبان باتفاق الحكومة السورية و”قسد”

خلال اتصال مع الرئيس الشرع.. بارزاني يؤكد دعمه للاتفاق “الشامل” مع “قسد”

خلال اتصال مع الرئيس الشرع.. بارزاني يؤكد دعمه للاتفاق “الشامل” مع “قسد”

هجوم أميركي محتمل على إيران الأحد المقبل

هجوم أميركي محتمل على إيران الأحد المقبل

تزامناً مع الانسحاب الروسي من القامشلي.. ما الملفات التي يحملها الشرع إلى موسكو؟

تزامناً مع الانسحاب الروسي من القامشلي.. ما الملفات التي يحملها الشرع إلى موسكو؟

في اتصال هاتفي.. الشرع وترمب يبحثان آخر التطورات في سوريا

في اتصال هاتفي.. الشرع وترمب يبحثان آخر التطورات في سوريا

مجلس الوزراء الأردني يوافق على مذكرة تفاهم للتعاون في مجال النقل مع سوريا وتركيا

مجلس الوزراء الأردني يوافق على مذكرة تفاهم للتعاون في مجال النقل مع سوريا وتركيا

إسبانيا تلاحق شركات إسرائيلية لتقديمها عروض سفر إلى مستوطنات الضفة الغربية

إسبانيا تلاحق شركات إسرائيلية لتقديمها عروض سفر إلى مستوطنات الضفة الغربية

كندا: لا نسعى لاتفاق تجارة حرة مع الصين

كندا: لا نسعى لاتفاق تجارة حرة مع الصين

وول ستريت جورنال: الشرع يتحدى واشنطن شمال شرقي سوريا ويكسب الرهان

وول ستريت جورنال: الشرع يتحدى واشنطن شمال شرقي سوريا ويكسب الرهان

الدفاع السورية تعلن تمديد وقف إطلاق النار و”قسد” تحدد موقفها

الدفاع السورية تعلن تمديد وقف إطلاق النار و”قسد” تحدد موقفها