شهدت مدينة مارع بريف حلب الشمالي احتفالية واسعة لإحياء الذكرى الثانية عشرة لرحيل القائد العسكري البارز في لواء التوحيد، عبد القادر الصالح المعروف بـ”حجي مارع”، وأقيمت الفعالية في الملعب البلدي شمالي المدينة، بحضور ممثلين عن المحافظة ومديرية الثقافة ومديرية منطقة اعزاز، إضافة إلى أعداد كبيرة من رفاق الصالح ممن شاركوه بدايات الحراك الثوري.
أصيب الصالح في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، عندما استهدف الطيران الحربي التابع للنظام المخلوع اجتماعاً لقادة لواء التوحيد في مدرسة المشاة شمالي حلب، أدت الإصابة إلى وفاته، ودفن في مسقط رأسه مارع، في حين أعلن لواء التوحيد استشهاده رسمياً في 18 تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه.
احتفالية الذكرى 12
يقول أبو محمد، أحد الثوار الأوائل في مارع ومن الذين عايشوا الصالح منذ بدايات الحراك: “نستعيد اليوم ذكرى رجل لم يكن عادياً؛ ذكرى القائد الذي عاش في قلوبنا قبل أن يسكن الثرى، كان حجي مارع قائداً وأباً وأخاً، يمسح دمعة طفل ويشد على يد مقاتل، ويشارك أهله حصارهم وآلامهم”
ويضيف: “في نوفمبر 2013 غادرتنا روحه الطاهرة، لكن إرثه وشجاعته ما زالا يرويان للأجيال معنى التضحية، وستبقى ذكراه شعلة تنير دروب الحرية.”
وشهدت الاحتفالية مشاركة شبان في مقتبل العشرينيات، كانوا أطفالاً عند انطلاق الثورة، وبعضهم اليوم يخدم في صفوف الجيش الوطني، فيما التحق آخرون بقوى الأمن العام، يقول أبو عمر، عنصر في الأمن العام بحلب وأحد المشاركين في الفعالية: “كبرنا نسمع اسمه في كل حديث عن الشجاعة. اليوم رأيته حاضراً في دموع الرجال وفي الصور التي نرفعها. كأنه ما زال بيننا.”
كما التقى موقع تلفزيون سوريا عدداً من المقاتلين السابقين في لواء التوحيد، الذين حضروا الاحتفالية، حيث أجمع معظمهم على شجاعة الصالح وزهده وتقدمه الصفوف الأولى في المعارك دون تردد، يقول أبو قصي، وهو مقاتل سابق في اللواء: “كان أول من يدخل الجبهة وآخر من يغادرها. لم نعرف قائداً يقف معنا كما كان الصالح. لذلك حين نحيي ذكراه، فنحن نحيي جزءاً من تاريخنا الثوري والنضالي العظيم.”
ويتابع: “رحل الصالح تاركاً إرثاً كبيراً من الإنجازات والمواقف التي يتناقلها أبناء الثورة جيلاً بعد جيل، وهو القائل: الناس متعطشة للعدل، ومرت بظلم وبؤس، وتريد من ينصفها. ونحن اليوم نريد من يحق الحق ويعيد لكل مظلوم حقه.”
من جانبه، يقول عبد اللطيف الخطيب لموقع تلفزيون سوريا: “لم أرَ مثل طيبته وعفته وأخلاقه وتواضعه. كان الصالح يقول مراراً إن الثورة لن تكون طائفية، وصرّح في أكثر من مناسبة بأن ما يرنو إليه هو قيام دولة مدنية تحكم بالعدل.”
ويضيف الخطيب قائلاً: “كان في أيام التحاقه بجماعة الدعوة ذا لحية طويلة، ولما أصبح قائداً عسكرياً في الثورة خفّف لحيته لأنه بات في دائرة الاهتمام المحلي والإقليمي والدولي، ولم يشأ أن تُوضَع العراقيل أمام ثورة الشعب. تعامل مع الجميع، وكان يقول: كل من يقاتل نظام الأسد المجرم فهو منا، ولذلك تعاون عسكرياً مع كل فصائل الجيش الحر.”
البدايات الأولى
ظهرت ملامح الحراك الثوري مبكراً في مارع عام 2011، حين كثفت أجهزة الأمن التابعة للنظام وجودها بسبب كتابات مناهضة للنظام المخلوع على جدران المدارس، وفي نيسان/أبريل من العام ذاته خرجت أولى المظاهرات من السوق الذي يطلق عليه اسم “الشارع العريض”، وبدأت بأعداد قليلة سرعان ما تحولت إلى احتجاجات يومية شارك فيها عشرات الشبان المطالبين بالتغيير.
وبالتزامن مع اتساع المظاهرات، بدأت تتشكل نواة “تنسيقية مارع”، التي ضمت شخصيات ووجهاء من عدة عائلات في المدينة، تولى الصالح قيادتها، وحمل لقب “حجي مارع” لإخفاء هويته حفاظاً على سرية العمل الثوري، ومع تزايد الزخم الشعبي، أصبحت المظاهرات شبه يومية، وانضمت إليها أعداد متزايدة من الأهالي.
القائد ثوري
ولد عبد القادر الصالح في مارع عام 1979، وكان متزوجاً ولديه خمسة أطفال، عرفه أهالي المدينة كتاجر نشيط وفاعل اجتماعي، قبل أن يتفرغ للحراك الثوري ويلعب دوراً قيادياً فيه مع توسع رقعة الاحتجاجات.
ومع توسع التظاهر وتصاعد القمع الأمني، عملت التنسيقية على تشكيل ذراع مسلح يحمي المتظاهرين ويراقب تحركات الأمن، وفي بداية عام 2012 أسس الصالح أول مجموعة مسلحة في المنطقة باسم “كتيبة قبضة الشمال”، وأسهم ببيع جزء من أملاكه لشراء السلاح للمجموعة.
وفي آذار/مارس 2012 انضمت الكتيبة إلى “لواء أحرار الشمال”، الذي جمع عدة كتائب من ريف حلب، وشارك اللواء في معارك دفاعية وهجومية أبرزها في اعزاز والبلدات المحيطة، ومع توسع العمليات المسلحة، أعلن منتصف 2012 تشكيل “لواء التوحيد”، الذي أصبح من أكبر ألوية الجيش الحر في حلب، وتولى الصالح منصب قائد العمليات العسكرية فيه.
الحضور العسكري
بدأ لواء التوحيد معركة “الفرقان” للسيطرة على حلب في 21 تموز/يوليو 2012، وتمكن من دخولها عبر أحيائها الشمالية الشرقية، كان الصالح في مقدمة المقاتلين الذين قادوا عمليات السيطرة على مناطق واسعة من المدينة، من النيرب والشعار وهنانو والصالحين وصولاً إلى مدرسة المشاة ومشفى الكندي، وتمكنت قواته من السيطرة على 70% من حلب خلال أيام.
شارك الصالح ومقاتلوه في معارك كبرى خارج المحافظة، أبرزها معارك القصير في حمص عام 2013، ومعركة “قادمون”، إضافة إلى مشاركته اللاحقة في معارك السفيرة جنوبي حلب رغم انتهائها بسيطرة قوات النظام عليها.
لم تقتصر مواقف الصالح على مواجهة النظام، فقد عرف أيضاً بتشدده تجاه الانتهاكات داخل الفصائل، ومن أبرز مواقفه توقيف أحد قادة الكتائب في حلب بعد تورطه بسرقة ذخيرة من مدرسة المشاة، ما عزز صورته كقائد يرفض التجاوزات ويحظى بثقة المدنيين.
قائد محبوب
عرف الصالح بقربه من الأهالي وتفقده لأوضاعهم، وتشجيعه المستمر لهم على الإبلاغ عن أي تجاوزات من المقاتلين، كما حافظ على وجوده الدائم في الخطوط الأولى خلال المعارك، ما أكسبه احترام المقاتلين والمدنيين على حد سواء.
وأثناء قيادته في لواء التوحيد، شارك الصالح في تشكيل المجلس الانتقالي الثوري في 30 آب/أغسطس 2012، والمجلس الثوري العسكري في 10 أيلول/سبتمبر 2012، كما انضم إلى “جبهة تحرير سوريا الإسلامية”. وكان جزءاً من “الهيئة الشرعية الرباعية” التي أصبحت المرجعية القضائية في حلب بعد التحرير.
حافظ الصالح على علاقة تنسيق مع الفصائل الإسلامية غير التابعة للجيش الحر، إضافة إلى الفصائل الجهادية المحلية مثل جبهة النصرة سابقاً، وعلى الرغم من عدم رغبته في خوض مواجهة مفتوحة مع “تنظيم الدولة”، إلا أن الصالح كان على خلاف معه، خصوصاً بعد اعتقال التنظيم لعدد من الناشطين المقربين من اللواء، وعندما هاجم التنظيم “لواء عاصفة الشمال” في اعزاز في تشرين الأول/أكتوبر 2013، تدخل لواء التوحيد كقوة فصل.
خصص النظام المخلوع مكافأة مالية قدرها 200 ألف دولار لمن يسلم الصالح أو يقتله، واتهمه مندوب النظام المخلوع في الأمم المتحدة بالانتماء إلى القاعدة وتهديد الأقليات، في محاولة لتشويه صورته وإضعاف دوره الشعبي والعسكري.
في الذكرى الثانية عشرة لرحيل عبد القادر الصالح، بدا واضحاً أن الرجل ما زال حاضراً بقوة في ذاكرة رفاقه وفي وجدان الجيل الجديد الذي لم يعرفه إلا عبر روايات البطولة، بين صور مرفوعة وشهادات صادقة، يستعيد أبناء مارع ورفاق دربه ملامح قائد ترك أثراً لا يمحى، وأرثاً ثورياً يتجاوز حدود معاركه.














