يفكوروف يزور جنوبي سوريا.. هل تفعّل موسكو اتفاق عام 2017 بين ترمب وبوتين؟

مجدداً استقبلت دمشق الجنرال يونس بيك يفكوروف، نائب وزير الدفاع الروسي. ومع أهمية المحادثات التي أجراها مع وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، استكمالاً لجولات محادثات سابقة بينهما، جرت في موسكو ودمشق، فإن ما لفت الاهتمام بصورة أكبر في هذه الزيارة هي الجولة التي أجراها يفكوروف برفقة ممثلي وزارة الدفاع السورية في الجنوب السوري، الذي يشهد تصاعداً تدريجيا لحدة التوتر على خلفية الانتهاكات الإسرائيلية المتزايدة في تلك المنطقة.

أول ما يلفت الانتباه أن زيارة يونس بيك يفكوروف إلى سوريا هذه المرة سبقها ما يبدو أنه تنسيق بين موسكو وتل أبيب. وهو كان قد وصل دمشق على رأس وفد من وزارة الدفاع الروسية، يوم الأحد 16 تشرين الثاني/نوفمبر، وذلك بعد ساعات على محادثات في اتصال هاتفي، أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مساء السبت 15 تشرين الثاني/نوفمبر، كان الموضوع السوري حاضراً فيها بوضوح، ولاشك أن موسكو أبلغت خلالها تل أبيب بجولة يفكوروف جنوبي سوريا، وإن لم يكن للتنسيق حول الوضع في المنطقة بشكل عام، فعلى الأقل لضمان أمنه. وبحسب الكرملين، تبادل بوتين ونتنياهو خلال المحادثة وجهات النظر حول “التطورات في قطاع غزة في سياق اتفاق وقف إطلاق النار، والوضع المتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، ومسائل المساهمة في مواصلة تعزيز استقرار سوريا”.

وضع حد للانتهاكات الإسرائيلية

لا تبدو التفاصيل المشار إليها أعلاه مجرد أحداث منفصلة، والواضح أنها جاءت تعبيراً عن الاهتمام بمساعي السلطات السورية والجهود التي تبذلها لبسط حالة من الأمن والأمان والاستقرار المستدام في البلاد، والتي تتطلب بصورة خاصة وضع حد للسياسات الإسرائيلية نحو سوريا الجديدة، لاسيما انتهاكاتها اليومية لسيادة الأراضي السورية، وتدخلها السافر في الشؤون الداخلية لسوريا. إذ تدرك روسيا مدى انزعاج السلطات في دمشق من السياسات الإسرائيلية جنوبي البلاد، وما تحمله من مخاطر حقيقية تهدد بتقويض عملية إعادة البناء الشاملة.

في الوقت نفسه ربما وجدت القيادة الروسية في هذا الوضع، وإمكانية أن تساهم بقوة في دعم وتحقيق رغبات القيادة السورية بشأن التهدئة في الجولان المحتل، والحد من الانتهاكات الإسرائيلية، فرصة ملائمة لخلق مناخ يدعم الرغبة بالمضي في استعادة زخم العلاقات الثنائية، وترسيخ أسس تلك العلاقات بما يتوافق مع سوريا الجديدة، ويلبي مصالحها، ويلبي كذلك المصالح الروسية ويضمن لروسيا الحفاظ على دورها ونفوذها في المنطقة.

الواضح والأكيد حتى اللحظة هو أن جنرالاً بمستوى يونس بيك يفكوروف لم يذهب إلى مناطق جنوبي سوريا للتنزه، وطبيعة الجولة كانت أقرب إلى “دور عسكري روسي” أولاً، للاطلاع عن كثب على الوضع هناك، بغية العمل لاحقا على وضع خرائط محددة لانتشار محتمل لقوات روسية، وعرض الخطط على القيادة السياسية في الكرملين، حتى تستكمل الجهد العسكري بـ “دور سياسي” لإقناع الأطراف المعنية بضرورة اعتماد خطة تساعد سوريا على النهوض وتجنب المنطقة مخاطر الانزلاق مجدداً إلى حرب، تتسبب بحالة فوضى وعدم استقرار تؤثر على الأمن والاستقرار في المنطقة وخارجها.

ومن الطبيعي التساؤل ما إذا كانت روسيا قد باشرت ذاتيا لوحدها، بالتنسيق مع دمشق فقط، العمل على خطة لاستعادة الاستقرار جنوب سوريا، أم أنها بدأت تتحرك بعد توافق أو تفاهمات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وتنسيق مع حكومة نتنياهو بهذا الخصوص.

في الحالتين يبدو أن روسيا تملك فرصة جيدة لتلعب مجدداً دور ضامن للهدوء على الحدود بين سوريا وإسرائيل، وهي في الوقت نفسه مهتمة جدا بلعب مثل هذا الدور، ذلك لأنه وفضلا عن تأثيره الإيجابي على العلاقات مع دمشق، فإنه سيشكل بالنسبة للكرملين محطة مؤثرة تؤكد موضوعية الفكرة التي طالما روج لها، بأن التعاون بين موسكو وواشنطن ممكن، وعامل حاسم لاستعادة وضمان الأمن والاستقرار في مناطق التوتر في العالم.

وإن لم تكن التحركات الروسية لترتيب الأوضاع جنوبي سوريا جزءا من توافق مع إدارة ترمب، فإن الرئيس بوتين لن يجد صعوبة بإقناع ترمب بضرورة دعم تلك الجهود والمشاركة بها، على الأقل بموقف سياسي واضح يعلن عنه، ومن خلال المساعدة في إقناع تل أبيب بضرورة التعامل بإيجابية مع هذه الجهود.

اتفاق 2017 في الجنوب السوري

ولم تنس موسكو أن جنوبي سوريا على وجه الخصوص كان واحداً من ملفات قليلة جداً برز فيها توافق بين الكرملين والبيت الأبيض خلال الرئاسة السابقة لدونالد ترمب، وتحديداً حين توصل الرئيسان بوتين وترمب عام 2017 إلى اتفاق حول الترتيبات الأمنية في محافظات الجنوب-درعا والقنيطرة والسويداء، وأن تقوم روسيا بإبعاد القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لطهران من تلك المنطقة.

أغلب الظن أن ترمب، الذي يكرر بمناسبة وغير مناسبة أنه نجح في إنهاء ثمانية حروب، لن يعارض الأفكار الروسية، قد ينخرط مع بوتين في مساعيه لجنوب سوريا، ويمضي للتوصل معه إلى اتفاق شبيه باتفاق عام 2017، سيما وأنه – أي ترمب- عبر بوضوح أكثر من مرة عن اهتمامه باستقرار سوريا، ومنها تصريحاته بعد استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، وأكد حينها: “سنقوم بكل ما نستطيع لدعم نجاح سوريا (…) سوريا بلد عظيم وشعبها عظيم، ونريد أن نراها تنجح إلى جانب بقية دول المنطقة. (…) نريد رؤية سوريا تتحول إلى دولة ناجحة للغاية”.

أما إسرائيل، في حال رفضت التعامل بإيجابية مع التحرك الروسي لاستعادة الوضع جنوب سوريا على ما كان عليه قبل 8 ديسمبر، والحد من توغلات القوات الإسرائيلية جنوب سوريا، وكف يد تل ابيب عن التدخل بالشؤون الداخلية لسوريا، فإن بوتين لديه الكثير ليذكر به نتنياهو، وكيف أن روسيا عبر دورها في سوريا في عهد النظام البائد ساعدته ليظهر بمظهر “البطل القومي” أمام ناخبيه، حين أعادت له دبابة اغتنمها الجيش السوري عام 1982، وكانن في متنحف في موسكو، ومن ثم استعادت من سورية جثمان الرقيب زخاري باوميل وسلمته لنتنياهو شخصياً ضمن طقوس تشييع رسمية للعسكريين. ويرجح أن يتفاعل نتنياهو مع الموقف الروسي، وسيكون موقفه أكثر إيجابية في حال جرت الأمور وفق تفاهمات بين بوتين وترمب، حتى يضيف الأخير لانجازاته إنهاء حرب جديدة، لكن قبل نشوبها، بين سوريا وإسرائيل.   

Related Posts

رسائل نصية للمتقاعدين لتحديد مواعيد استلام الرواتب اعتباراً من الشهر القادم

كشف المدير العام للمؤسسة السورية للبريد عماد الدين حمد أنه سيتم اعتباراً من الشهر القادم إرسال رسائل نصية قصيرة (SMS) إلى المتقاعدين، لإبلاغهم بمواعيد استلام رواتبهم. وأوضح حمد في تصريح اليوم الثلاثاء…

مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية يستقبل وفداً من الاتحاد الأوروبي

استقبل مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، قتيبة قاديش، وفداً من الاتحاد الأوروبي برئاسة آنا بيرس رئيسة وحدة (MENA BI) في سوريا والشرق الأوسط في المفوضية الأوروبية. وجرى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد فاتك المحتوي

مسؤول بالبيت الأبيض: ويتكوف سيزور إسرائيل وسيلتقي مع نتنياهو

مسؤول بالبيت الأبيض: ويتكوف سيزور إسرائيل وسيلتقي مع نتنياهو

في اتصال هاتفي.. الشرع وماكرون يبحثان آخر التطورات في سوريا

في اتصال هاتفي.. الشرع وماكرون يبحثان آخر التطورات في سوريا

قطر والعراق ترحبان باتفاق الحكومة السورية و”قسد”

قطر والعراق ترحبان باتفاق الحكومة السورية و”قسد”

خلال اتصال مع الرئيس الشرع.. بارزاني يؤكد دعمه للاتفاق “الشامل” مع “قسد”

خلال اتصال مع الرئيس الشرع.. بارزاني يؤكد دعمه للاتفاق “الشامل” مع “قسد”

هجوم أميركي محتمل على إيران الأحد المقبل

هجوم أميركي محتمل على إيران الأحد المقبل

تزامناً مع الانسحاب الروسي من القامشلي.. ما الملفات التي يحملها الشرع إلى موسكو؟

تزامناً مع الانسحاب الروسي من القامشلي.. ما الملفات التي يحملها الشرع إلى موسكو؟

في اتصال هاتفي.. الشرع وترمب يبحثان آخر التطورات في سوريا

في اتصال هاتفي.. الشرع وترمب يبحثان آخر التطورات في سوريا

مجلس الوزراء الأردني يوافق على مذكرة تفاهم للتعاون في مجال النقل مع سوريا وتركيا

مجلس الوزراء الأردني يوافق على مذكرة تفاهم للتعاون في مجال النقل مع سوريا وتركيا

إسبانيا تلاحق شركات إسرائيلية لتقديمها عروض سفر إلى مستوطنات الضفة الغربية

إسبانيا تلاحق شركات إسرائيلية لتقديمها عروض سفر إلى مستوطنات الضفة الغربية

كندا: لا نسعى لاتفاق تجارة حرة مع الصين

كندا: لا نسعى لاتفاق تجارة حرة مع الصين

وول ستريت جورنال: الشرع يتحدى واشنطن شمال شرقي سوريا ويكسب الرهان

وول ستريت جورنال: الشرع يتحدى واشنطن شمال شرقي سوريا ويكسب الرهان

الدفاع السورية تعلن تمديد وقف إطلاق النار و”قسد” تحدد موقفها

الدفاع السورية تعلن تمديد وقف إطلاق النار و”قسد” تحدد موقفها