اغتالت إسرائيل عصر الأحد 23 تشرين الثاني 2025 هيثم علي طبطبائي، المعروف بـ”أبو علي”، عبر استهداف شقة في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت.
تزامن الاغتيال مع قصف على الحدود اللبنانية – السورية من جهة البقاع استهدف قافلة أسلحة كانت في طريقها إلى لبنان، في مؤشر إلى أن الضربة لم تستهدف الرجل كفرد فحسب، بل المسار اللوجستي الذي كان يقوده في تلك المرحلة.
السيرة ومسار الصعود داخل حزب الله
وُلد طبطبائي عام 1968، من أب إيراني، وأم لبنانية، ونشأ في بيئة دينية قبل أن ينضم مبكراً إلى “حزب الله”، تدرّج داخل وحدات التدخل الهجومية التي شكلت لاحقاً نواة “قوة الرضوان”، القوة الأكثر نخبوية في حزب الله والمكلفة بالعمليات الخاصة.
حافظ طبطبائي طوال مسيرته على حضور منخفض إعلامياً، ولم يرتبط بأي دور سياسي علني، ما جعل صورته داخل الحزب صورة “مسؤول ميداني صامت”، وكان الرجل يحرص على إشاعة أجواء أنه آتٍ من الخنادق وليس من الدوائر التنظيمية العلنية.
سوريا: المحطة التي صنعت نفوذه
مع دخول حزب الله إلى سوريا للقتال بجانب نظام الأسد عقب اندلاع الثورة السورية، تحوّل طبطبائي إلى أحد أبرز رجالات الميدان.
أشرف على وحدات من “قوة الرضوان” في معركة القصير عام 2013، ثم تولّى إدارة محاور في القلمون الغربي والشرقي، مركّزًا على السيطرة على خطوط الجبال والمساحات الفاصلة بين سوريا ولبنان. هذا الدور جعله جزءًا أساسيًا من الهيكل العملياتي الذي اعتمد عليه الحزب لتثبيت وجوده العسكري داخل سوريا.
وفي عامي 2015 و2016، توسّعت مهامه نحو الشمال السوري، وتحديدًا في محاور محيط حلب وطريق خناصر – حلب، حيث تولى تنسيق انتشار مجموعات قتالية وتوجيه عمليات برية محدودة كانت تهدف إلى تثبيت خطوط الإمداد نحو المدينة. هذا الحضور جعله طرفًا مباشرًا في غرفة العمليات المشتركة التي ضمّت ممثلين عن حزب الله والحرس الثوري الإيراني وميليشيات طائفية، ووحدات تابعة للنظام السوري.
محاولة بناء نفوذ في جنوب سوريا واستهداف القنيطرة
مع تثبيت حضور حزب الله في القلمون وريف دمشق، حاول هيثم طبطبائي توسيع نفوذه باتجاه الجنوب السوري، وتحديدًا منطقة القنيطرة المحاذية للجولان المحتل. عمل على إنشاء خلايا محلية صغيرة تعتمد على مقاتلين سوريين ولبنانيين، بهدف تأسيس نقطة ارتكاز عسكرية يمكن استخدامها في أي مواجهة مستقبلية مع إسرائيل، وربط الجنوب السوري بخط عمل مستقل عن الجبهات الشمالية. هذا المسار اصطدم بعاملين أساسيين: الأول الضغط الروسي الذي عارض تمدد حزب الله في الجنوب بعد تدخل موسكو العسكري، والتفاهمات التي عقدتها مع تل أبيب حول “عدم تغيير قواعد الاشتباك” في الجولان. والثاني المتابعة الإسرائيلية المباشرة لأي نشاط عسكري للحزب في تلك المنطقة.
في كانون الثاني 2015، شكّلت محاولة ترسيخ هذا النفوذ الخلفية المباشرة لعملية الاستهداف في القنيطرة، التي اعتُبر طبطبائي هدفها الرئيسي. الغارة الإسرائيلية أسفرت عن مقتل القيادي الإيراني محمد علي الله دادي، وجهاد عماد مغنية، وعدد من عناصر حزب الله، قبل أن يتبيّن لاحقًا أن طبطبائي نجا من العملية. هذه الحادثة أنهت فعليًا مشروعه في الجنوب السوري، وأدت إلى تجميد نشاط الخلايا التي كان يعمل على بنائها، تحت وطأة الضغط الروسي من جهة، والخطر الإسرائيلي المباشر من جهة ثانية، ما دفعه لاحقًا للعودة إلى محاور القلمون قبل أن يُنقل بالكامل خارج الملف السوري عام 2017.
الخلافات الداخلية والإبعاد إلى اليمن
برغم صعوده في سوريا، شهدت تلك المرحلة توترًا بين طبطبائي وكل من فؤاد شكر وإبراهيم عقيل، حول إدارة الجبهات وتوزيع المقاتلين ومعدلات الزجّ في المعارك. الخلاف تطوّر إلى صدام تنظيمي انعكس على موقعه، وأدى في 2017 إلى إبعاده عن الملف السوري وإلحاقه بالمسار اليمني.
في اليمن، لعب دورًا في تدريب مجموعات من الحوثيين على تكتيكات الاقتحام والحرب غير النظامية، كما أشرف على برامج مرتبطة بتشغيل الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، في إطار نقل خبرات ميدانية من ساحات سوريا ولبنان إلى اليمن.
بعد سقوط بشار الأسد: ملف السلاح ومسارات التهريب
مع انهيار النظام السوري وسقوط بشار الأسد، تولّى طبطبائي واحدًا من أكثر الملفات حساسية داخل حزب الله: إعادة فتح مسارات تهريب السلاح من سوريا إلى لبنان. عمل على إنشاء شبكات محلية وأمنية بديلة بعد تفكك البنية الأمنية السورية القديمة، وسعى إلى فتح طرق إمداد جديدة عبر البادية والجبال الحدودية.
غير أن الجزء الأكبر من هذه الخطوط فشل في الوصول إلى لبنان، نتيجة للمتابعة الدقيقة للأجهزة الأمنية السورية الجديدة، التي وضعت نشاطه تحت مراقبة لصيقة وأحبطت سلسلة من التحركات المرتبطة بنقل شحنات أسلحة وصواريخ وذخائر. وتشير المعطيات إلى أن هذا الإخفاق شكل ضربة مباشرة لطبطبائي، وأدى إلى خسائر بشرية ولوجستية.
العودة إلى الواجهة وقيادة العمل العسكري
بعد اغتيال فؤاد شكر، تولّى طبطبائي قيادة العمل العسكري داخل حزب الله، وأدار حملة تطهير داخلية استهدفت عناصر مشتبهًا بتسريب معلومات، شملت تصفيات وإعادة هيكلة للكوادر.
وتشارك في إدارة الجهاز العسكري مع محمد حيدر، القيادي البارز في المجلس الجهادي والنائب السابق بين 2005 و2009، ليتحول الثنائي إلى مركز القرار التنفيذي العسكري خلال العام الأخير.
النهاية في الضاحية
جاء اغتياله في لحظة كان يمسك فيها بثلاث دوائر مترابطة: قيادة العمل العسكري في لبنان، إدارة خطوط الإمداد بعد سقوط النظام السوري، وخبرة تراكمت من معارك القصير والقلمون وحلب وصولًا إلى اليمن. تزامن الضربة داخل الضاحية مع استهداف قافلة على الحدود السورية – اللبنانية، ما يجعله اغتيالًا مزدوجًا لمسار الرجل وللمشروع اللوجستي الذي كان يقوده.














