هل يشكل اتفاق الحكومة السورية و”قسد” نقطة تحول؟

يطرح الاتفاق الجديد بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، تساؤلات عديدة، تطال مدى اختلافه عن الاتفاقات السابقة الموقعة بين الطرفين، وخاصة اتفاق 18 يناير/كانون الثاني الماضي، وعن آفاق تنفيذه وتطبيقه على الأرض، وعما إذا كان يشكل نقطة تحول في الوضع السوري.

شمولية الاتفاق

 بداية، ينص الاتفاق على إيقاف إطلاق نار شامل بين الحكومة السورية و”قسد”، والتفاهم على عملية دمج تدريجية للقوات العسكرية والإدارية بين الطرفين، وانسحاب القوات العسكرية من جميع نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية السورية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي؛ بغية تعزيز الاستقرار.

إضافة إلى بدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من “قسد”، إلى جانب تشكيل لواء في بلدة كوباني (عين العرب) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.

كما يتضمن الاتفاق دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” في مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

واضح أن الهدف من هذا الاتفاق الشامل هو تحقيق وحدة الأراضي السورية، وإنفاذ القانون، وتحقيق عملية الدمج الكامل لما تبقى من منطقة الجزيرة السورية، من خلال تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية، وبالتالي بات من الممكن، في حال تنفيذ الاتفاق، توحيد الجهود للسير نحو إعادة إعمار البلاد.

آفاق ودلالات

إذن، يحمل هذا الاتفاق الشامل أفقا سياسيا، يمكنه أن يمهد الطريق نحو فضاء سياسي جديد، وبما يؤدي إلى توسيع مشاركة المكونات السورية، وتمثيلها على أسس سياسية، بالابتعاد عن منطق المحاصصة القومية والطائفية، الذي تسعى إليه الكيانات ما قبل الدولتية، والمناهضة بطبيعتها للدولة.

لا يعد الاتفاق مجرد تسوية أمنية مؤقتة، أو تفاهم مرحلي أو تقني، بل هو حدث سياسي متعدد الدلالات، كونه يعكس توازن القوى الجديد في منطقة الجزيرة السورية، حيث ولد من الواقع الميداني الجديد، كي ينهي مرحلة كاملة من الخروج عن سلطة الدولة، ويعيد صياغة العلاقة بين المركز وسائر المناطق السورية، باعتباره يشكل حلا سياسيا فرضته المتغيرات الداخلية في سوريا، والمواقف الإقليمية والدولية.

ما يلفت الانتباه هو أن الاتفاق يعبر عن منطق الدولة السورية الساعية لاستعادة سيادتها على كامل أراضيها. ولعل ما يحسب للسلطة السورية هو اتباعها نهجا، يقوم على الترتيب التدريجي لتفكيك الوقائع والعوامل التي كانت تفرض “قسد” كسلطة أمر واقع في منطقة الجزيرة السورية، وكانت تسيطر على ما يقارب ربع مساحة الدولة السورية، وتستحوذ على ثرواتها ومواردها الطبيعية الغنية.

كانت “قسد”، التي انتهت مهمتها الوظيفية حسبما أعلن الجانب الأمريكي، تربط بين الحفاظ على سلطة قادتها ومكاسبهم، وبين حقوق  الأكراد السوريين، واعتاشت سنوات طويلة على سرديات المظلومية الكردية، بعد أن ادعت أنها تدافع عن حقوق السوريين الأكراد.

غير أن “قسد” فشلت في نيل تأييد شعبي حقيقي بين الأوساط الشعبية الكردية وسواها. إضافة إلى فشلها في دفع هذه الأوساط إلى الاقتناع بعقيدتها التي فرضها “حزب العمال الكردستاني”، البعيد عن البيئة السورية.

وجاء المرسوم رقم (13)، الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في 16 يناير/كانون الثاني الماضي، كي يسهم في سحب ذرائع “قسد”، كونه تضمن الاعتراف الصريح بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد السوريين، ورفع المظالم التي لحقت بهم جراء الإحصاء السكاني عام 1962، ومنح جميع مكتومي القيد الجنسية السورية.

عبر هذا المرسوم عن رؤية السلطة السورية الجديدة، التي عملت على تفكيك محاولات قيادة “قسد” التي كانت تربط بين مشروع “قسد” وحقوق الأكراد السوريين، الأمر الذي أسهم في تعرية محاولاتهم.

آلية الدمج

حمل الاتفاق آلية لدمج “قسد” في المؤسسة العسكرية السورية، عبر فرقة من ثلاثة ألوية في الحسكة، إلى جانب لواء آخر في حلب.

ولا شك في أن الدمج مختلف عن الحل أو التفكيك، لكنه يحمل خلافا بين الطرفين حول التنفيذ، حيث ترى قيادات “قسد” أنه يبقي على كيانها ضمن الجيش السوري، بينما يعتبر مسؤولون سوريون أن تشكيل الألوية يتم بشكل فردي لعناصر “قسد”، بعد خضوعهم لتدقيق أمني.

غير أن دمج “قسد” ضمن وزارة الدفاع السورية يعني عدم استمرارها ككيان مسلح خارج مؤسسات الدولة، خاصة أن قيادتها لم تعد تملك هذا الخيار بعد المعادلة الميدانية الجديدة. وبالتالي، يمهد الاتفاق طريق نقلها من الفضاء الفصائلي، الذي يناقض منطق الدولة، إلى فضاء سياسي يحولها إلى بنية سياسية فاعلة ونشطة، ويمكنها المشاركة في المجال السياسي العام للسوريين.

كما يدشن الاتفاق الحاجة إلى عقد سياسي يقوم على التسوية السياسية مع الكيانات العسكرية والسياسية، المسيطرة على مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، حيث يفرض دمج هذه القوى الخضوع للهرمية العسكرية القيادية وللعقيدة القتالية لوزارة الدفاع السورية.

وهنا يأتي دور مؤسسات هذه الوزارة وقدرتها على الاحتواء المؤسساتي، وتحقيق الانضباط ضمن بنية الدولة الساعية إلى تثبيت احتكارها المشروع للسلاح.

في الجانب المدني، يبرز تحدي دمج المؤسسات المدنية والأمنية، التي أنشأتها “الإدارة الذاتية”، ضمن مؤسسات الدولة الإدارية، وأجهزة وزارة الداخلية السورية، مع منح مناطق محافظة الحسكة وبلدة كوباني لامركزية إدارية ضمن سيادة الدولة السورية.

يشمل الدمج أيضا الإبقاء على الموظفين المدنيين المحليين؛ منعا للفراغ المؤسسي والانهيار الخدمي، ووضع آليات تنفيذية للمؤسسات التعليمية، بما يضمن الحفاظ على مختلف تفاصيل الحياة اليومية لجميع السوريين في تلك المناطق.

ويطال الدمج مسألة تسلُّم مؤسسات الدولة الموارد الطبيعية من نفط وغاز وقمح ومياه، وإعادتها إلى الإطار المركزي؛ بغية تسخير عائداتها في مشاريع التنمية على المستوى الوطني، وبما ينعكس على تحسين شروط عيش جميع السوريين.

Related Posts

رسائل نصية للمتقاعدين لتحديد مواعيد استلام الرواتب اعتباراً من الشهر القادم

كشف المدير العام للمؤسسة السورية للبريد عماد الدين حمد أنه سيتم اعتباراً من الشهر القادم إرسال رسائل نصية قصيرة (SMS) إلى المتقاعدين، لإبلاغهم بمواعيد استلام رواتبهم. وأوضح حمد في تصريح اليوم الثلاثاء…

مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية يستقبل وفداً من الاتحاد الأوروبي

استقبل مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، قتيبة قاديش، وفداً من الاتحاد الأوروبي برئاسة آنا بيرس رئيسة وحدة (MENA BI) في سوريا والشرق الأوسط في المفوضية الأوروبية. وجرى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد فاتك المحتوي

مسؤول بالبيت الأبيض: ويتكوف سيزور إسرائيل وسيلتقي مع نتنياهو

مسؤول بالبيت الأبيض: ويتكوف سيزور إسرائيل وسيلتقي مع نتنياهو

في اتصال هاتفي.. الشرع وماكرون يبحثان آخر التطورات في سوريا

في اتصال هاتفي.. الشرع وماكرون يبحثان آخر التطورات في سوريا

قطر والعراق ترحبان باتفاق الحكومة السورية و”قسد”

قطر والعراق ترحبان باتفاق الحكومة السورية و”قسد”

خلال اتصال مع الرئيس الشرع.. بارزاني يؤكد دعمه للاتفاق “الشامل” مع “قسد”

خلال اتصال مع الرئيس الشرع.. بارزاني يؤكد دعمه للاتفاق “الشامل” مع “قسد”

هجوم أميركي محتمل على إيران الأحد المقبل

هجوم أميركي محتمل على إيران الأحد المقبل

تزامناً مع الانسحاب الروسي من القامشلي.. ما الملفات التي يحملها الشرع إلى موسكو؟

تزامناً مع الانسحاب الروسي من القامشلي.. ما الملفات التي يحملها الشرع إلى موسكو؟

في اتصال هاتفي.. الشرع وترمب يبحثان آخر التطورات في سوريا

في اتصال هاتفي.. الشرع وترمب يبحثان آخر التطورات في سوريا

مجلس الوزراء الأردني يوافق على مذكرة تفاهم للتعاون في مجال النقل مع سوريا وتركيا

مجلس الوزراء الأردني يوافق على مذكرة تفاهم للتعاون في مجال النقل مع سوريا وتركيا

إسبانيا تلاحق شركات إسرائيلية لتقديمها عروض سفر إلى مستوطنات الضفة الغربية

إسبانيا تلاحق شركات إسرائيلية لتقديمها عروض سفر إلى مستوطنات الضفة الغربية

كندا: لا نسعى لاتفاق تجارة حرة مع الصين

كندا: لا نسعى لاتفاق تجارة حرة مع الصين

وول ستريت جورنال: الشرع يتحدى واشنطن شمال شرقي سوريا ويكسب الرهان

وول ستريت جورنال: الشرع يتحدى واشنطن شمال شرقي سوريا ويكسب الرهان

الدفاع السورية تعلن تمديد وقف إطلاق النار و”قسد” تحدد موقفها

الدفاع السورية تعلن تمديد وقف إطلاق النار و”قسد” تحدد موقفها