سامي الملا – البوصلة
من موقع المتابع للشأن السوري منذ ثلاثة عقود، لا يمكن النظر إلى الأنباء المتداولة حول فرار عناصر من تنظيم داعش من مراكز احتجاز في شمال شرق البلاد بوصفها حادثة عابرة أو مفاجئة. فهذه التطورات، مهما اختلفت الأرقام حول حجمها، ليست سوى نتيجة طبيعية لملف أُهمل طويلاً، وتُرك عالقاً بين الحسابات السياسية وتوازنات السيطرة، على حساب أمن سوريا واستقرارها.
المعلومات الواردة من مصادر إعلامية دولية تشير إلى حالات فرار من سجون أبرزها الشدادي وغويران (بانوراما). وبينما تحدثت جهات رسمية عن أعداد محدودة، ذهبت تقديرات أخرى إلى أرقام مضخّمة، وهو أمر اعتدناه في مشهد سوري باتت فيه الوقائع الأمنية مادة للمزايدة السياسية أو الاستثمار الإعلامي. وبالقراءة الواقعية، تبدو الأرقام الأقل هي الأقرب للصحة، فيما تعكس الأرقام الأكبر خلطاً بين محاولات فاشلة، أو فقدان سجناء داخل بيئة احتجاز شديدة الاضطراب، لا تخضع لمعايير دولة ولا لرقابة قضائية واضحة.
ما يحدث اليوم يعيدنا إلى جوهر المشكلة التي رافقت مرحلة ما بعد 2019: آلاف المعتقلين من أخطر التنظيمات الإرهابية محتجزون في منشآت مؤقتة تحولت إلى واقع دائم، بلا أفق قانوني أو سياسي. هذه السجون والمخيمات لم تعد مجرد أماكن احتجاز، بل باتت عبئاً أمنياً حقيقياً، وبيئة قابلة للانفجار في أي لحظة، سواء عبر الفوضى، أو عبر إعادة تدوير التطرف فكرياً وتنظيمياً، وهو أمر يدفع السوريون ثمنه قبل غيرهم.
ومن المهم التذكير بأن تنظيم داعش، بصيغته الحالية، لم يعد ذاك الكيان الذي يسيطر على مدن ويرفع رايات فوق مؤسسات. التنظيم اليوم يعمل بصمت، عبر أفراد وخلايا صغيرة، تتحرك بلا ضجيج، بحثاً عن ملاذ مؤقت أو ثغرة أمنية، لا عن “دولة” أو سيطرة جغرافية. وعليه، فإن أي تحركات محتملة لعناصر فارّة داخل الجغرافيا السورية ستكون محدودة ومتناثرة، هدفها النجاة أو الاختباء، لا إعادة بناء تنظيم معلن.
أما الحديث عن انتقال الخطر إلى الجنوب السوري، فهو – من وجهة نظر ميدانية – مبالغ فيه إلى حد بعيد. الجنوب، رغم هشاشته الأمنية أحياناً، لا يشكل بيئة حاضنة لداعش، والتنظيم يحمل إرثاً ثقيلاً من العداء والدم مع عشائر ومجتمعات تلك المناطق. الخطر الحقيقي لا يكمن في “تمدّد” التنظيم، بل في استغلال مناطق الفراغ والفوضى كممرات مؤقتة، وهي معادلة أمنية معروفة في بلد أنهكته سنوات الصراع.
إقليمياً، لا يمكن فصل ما يجري عن موجة الخطابات التحذيرية التي تصاعدت مؤخراً، ومنها تصريحات شخصيات سياسية عراقية حذّرت من عودة النشاط المتطرف، وربطت ذلك بملفات أخرى ذات طابع سياسي. ورغم خطورة أي تهديد إرهابي محتمل، إلا أن الخلط بين الوقائع الأمنية والرسائل السياسية لا يخدم الاستقرار، بل يفتح الباب أمام توظيف الخوف وتضخيمه، وهو ما اعتاد التنظيمات المتطرفة استثماره دعائياً.
وبالنسبة للأردن، وهو جار لسوريا وشريك مباشر في أمنها، لا توجد معطيات جدية تشير إلى تهديد مباشر أو وجود أردنيين بين الفارين. وحتى في أسوأ السيناريوهات، يبقى الخطر محصوراً ضمن تحركات فردية يمكن احتواؤها، في ظل منظومة أمنية أثبتت قدرتها على التعامل مع هذا النوع من التحديات.
ما يقلقني كسوري قبل أن أكون صحفياً، هو أن يبقى أمن سوريا رهينة حلول مؤقتة ووقائع مفروضة، بينما الخطر الحقيقي يتغذى من الإهمال والإنكار. مصلحة الشعب السوري لا تكمن في التهويل ولا في التقليل من المخاطر، بل في مقاربة وطنية شاملة تعيد الاعتبار لسيادة الدولة، وتغلق هذا الملف بطريقة قانونية وأمنية مسؤولة، بعيداً عن الاستثمارات السياسية قصيرة النظر.
فرار عناصر من داعش ليس عودة للتنظيم، لكنه تذكير قاسٍ بأن تجاهل الجروح المفتوحة لا يشفيها، وأن أمن سوريا لا يحتمل مزيداً من التجارب، لأن فاتورة الفشل يدفعها السوريون وحدهم.














