يستيقظ “أبو علي”، الرجل الستيني، في ساعات الصباح الأولى من كل يوم، ويحمل بسطته الصغيرة إلى جسر الحرية وسط دمشق. هناك، اعتاد أن يفرش بضاعته المتواضعة من المسابح والإكسسوارات على الرصيف البارد، ليقضي ساعات طويلة في انتظار لقمة عيشه.
لكن صباحًا مختلفًا باغته مؤخرًا، حين وصلت فرق من محافظة دمشق لتنفيذ حملة إزالة للبسطات غير المرخصة. حاول “أبو علي” التفاوض، مؤكدًا أن هذه البسطة هي مصدر رزقه الوحيد، وأنه يقطع مسافة طويلة قبل الفجر ليصل إلى مكانه المعتاد. لكن محاولاته لم تُجْدِ، فصودرت البسطة وانتهى يومه بخسارة كل شيء.
يقول “أبو علي” بصوت متهالك: “هذا رزقي.. أعمل في هذا العمر فقط كي أتمكن من أكل لقمة بالحلال. وأنا بهذا العمر، ماذا يفترض أن أعمل لكي أؤمن مصروف يومي؟”.
ما حدث لم يكن استثناءً، حملة إزالة البسطات شملت العشرات، في مشهد يعكس صراعًا متكررًا بين “باعة الرصيف” والجهات الإدارية في العاصمة، وسط غياب أي خطة واضحة توازن بين تنظيم الشوارع وحق الناس في العمل.
في السنوات الأخيرة، لم تعد البسطات ظاهرة مؤقتة، بل تحولت إلى وسيلة رزق أساسية، بفعل ارتفاع نسب البطالة، وتدني الرواتب، ونزوح مئات الآلاف من بيوتهم ومحالهم بسبب الحرب وسياسات النظام المخلوع.
جولة لموقع “تلفزيون سوريا” في بعض شوارع العاصمة تُظهر أن أصحاب البسطات ليسوا أطفالًا أو عمالًا مؤقتين فقط، بل بينهم موظفون متقاعدون، نازحون، ونساء معيلات، لجؤوا إلى الرصيف لبيع ما تيسّر، وتأمين أساسيات يومهم.
“أُعاقب لأنني فقير”
يقول لؤي سعيد، وهو متقاعد يعيش في دمشق: “راتبي التقاعدي لا يكفي لشراء الخبز لعائلة مكونة من أربعة أشخاص شهريًا”. ويضيف: “البسطة كانت محاولة بسيطة لأدفع إيجار منزلي بعدما تهجّرت من زملكا قبل عشر سنوات. وعندما أزالوها، شعرت أنهم عاقبوني لأني فقير”.
شهادات عدة جمعها موقع “تلفزيون سوريا” من باعة متضررين، تفيد أن الحملات نُفذت في عدد من أحياء دمشق دون سابق إنذار، وترافقت أحيانًا مع مصادرة للبضائع والعربات، ما سبب لهم خسائر كبيرة لا يمكن تعويضها.
نساء فقدن المعيل ومصدر العيش
خلال سنوات الحرب، تحملت النساء السوريات أعباء كبيرة، ووجدن أنفسهن مسؤولات عن إعالة أسرهن. كثيرات منهن لجأن إلى بيع الملابس أو المونة عبر بسطات بسيطة، لا بحثًا عن الربح، بل هربًا من الجوع.
تقول عائشة سلوم، المعروفة باسم “أم لؤي”: “لم تتوقف المشكلة عند المصادرة، بل تكبدت خسائر كبيرة. كنت أشتري الملابس الداخلية من المعمل وأحاسبهم بعد البيع، واليوم لا أعرف كيف سأغطي هذا الدين”.
وتضيف: “أنا مهجّرة منذ سنوات من جوبر، أعيش مع طفلين، وزوجي مفقود منذ تلك الأحداث. لم أطلب المساعدة من أحد، اخترت أن أعمل بالحلال. واليوم، سُلب مني مصدر رزقي الوحيد، وسجل علي دين كبير. ما الذنب الذي اقترفناه لنُعاقَب بهذا الشكل؟ فقط لأننا فقراء؟”.
أسواق بديلة.. لكن مكلفة أو بعيدة
يرى بعض المواطنين أن إزالة البسطات ضرورية لتنظيم الشوارع والحفاظ على مظهر العاصمة ونظافة الأرصفة، فيحين يعتبرها آخرون إجراءً منفصلًا عن الواقع الاقتصادي والمعيشي. ويؤكد كثيرون أن غياب البسطات تسبب بارتفاع أسعار السلع، بسبب فقدان البدائل الأرخص.
يقول سمير رزق، أحد سكان منطقة الفحامة: “نعم، البسطات كانت حالة فوضى، لكنها كانت أرخص من المحلات، واليوم نضطر للدفع بأسعار أغلى لذات السلع التي كنا نشتريها من البسطة”.
في المقابل، تقول محافظة دمشق إن الحملات تهدف لحماية الأرصفة وتخفيف الازدحام، وإنها خصصت أسواقًا بديلة. لكن باعة أكدوا أن تلك الأسواق إما ممتلئة مثل سوق “ابن عساكر”، أو بعيدة عن مناطق سكنهم، أو تطلب منهم دفع رسوم لا تتناسب مع دخلهم المتدني.
محمد العمري، بائع سابق في أحد الأسواق المنظمة، يقول: “الأسواق المنظمة لم تنصف الفقراء. التنظيم الحقيقي يبدأ بمساندتهم، لا بفرض رسوم إضافية عليهم. من الأجدر إنشاء أسواق شعبية قريبة، برسوم رمزية، وتراخيص مؤقتة، وأن يُشرك الباعة في التنظيم بدل طردهم”.
ويضيف: “لماذا لا تنشئ المحافظة ورشات خياطة أو صناعة المونة، بدل أن تجلس النساء وأطفالهن ساعات على الأرصفة لبيع ما يسد قوتهم اليومي؟”.
أزمة أكبر من “بسطة”
تقول الباحثة الاجتماعية ضحى إسماعيل لموقع “تلفزيون سوريا” إن اختزال البسطات بمشكلة “تشويه المظهر الحضاري” هو تجاهل للأزمة المعيشية الحقيقية التي يعيشها السوريون.
وتضيف: “إزالة مصدر رزق مؤقت، دون حلول بديلة، يدفع بعض الشباب، خصوصًا المراهقين، إلى الانخراط في أعمال غير مشروعة مثل السرقة. وقد تؤدي هذه الإجراءات إلى فقر مدقع، وانتشار أمراض ومجاعة في بعض الحالات، خاصة مع ارتفاع الإيجارات، وانهيار الدخل”.
وتتابع: “الأغلبية الساحقة من الباعة هم نازحون قسريًا من مناطقهم، ويعيشون في ظروف مأساوية. لا يجب أن يُعاقَب فقرهم، بل ينبغي التعامل مع هذه الظاهرة برؤية شاملة تأخذ في الاعتبار تبعات الحرب والتشرد، وتمنع الانزلاق نحو اضطرابات نفسية واجتماعية قد تؤدي إلى جرائم”.
وتختم إسماعيل بالقول: “المظهر الحضاري لا يُبنى بإخفاء الفقراء عن الشوارع، بل بعدالة اجتماعية حقيقية تُعيد لهم كرامتهم وحقهم في الحياة”.














