أصدر محافظ حلب المهندس عزّام الغريب قراراً يقضي بتقسيم المدينة إلى خمس كتل إدارية، يُشرف على كلٍّ منها ممثل عن المحافظة، بهدف تسريع الاستجابة للخدمات وضمان توزيع عادل للموارد بين مختلف مناطق المدينة.
وأوضح الغريب في بيان نشرته المحافظة في 18 تشرين الأول، أن مسؤولي الكتل سيكونون على تواصل مباشر مع الأهالي لرصد احتياجاتهم ومتابعة تنفيذها ميدانياً، مع تخصيص مكاتب لاستقبال الشكاوى واعتماد آلية تقييم دورية للأداء، مؤكداً أن الغاية هي رفع كفاءة العمل الخدمي وتحقيق المساواة في مستوى الخدمات.
وتعتمد إدارة مدينة حلب على مدى سنوات طويلة على نظام إداري مركزي، تتركز فيه معظم الصلاحيات والقرارات داخل مجلس المحافظة، ما جعل اتخاذ القرارات طويلاً ومعقداً، حيث كانت أي خطوة تحتاج إلى مراجعات متعددة وموافقات متسلسلة قبل التنفيذ، ما أبطأ عمل الدوائر الحكومية وعرّض المشاريع للتأخير المستمر، خاصة أن المدينة وأحياءها الشرقية تحديداً بحاجة ملحّة لإعادة إعمار عاجلة نتيجة لتدميرها على يد نظام الأسد خلال سنوات الثورة السورية.
النظام الإداري في حلب وآلية عمله
يُشير مدير دائرة الإعلام في محافظة حلب، مأمون الخطيب، في حديث مع موقع تلفزيون سوريا، إلى أن التقسيم الإداري للمدينة لا يقوم على قانون محدد، وإنما يعتمد بشكل كامل على صلاحيات المحافظ، حيث يشرف مباشرة على معاونين يعملون تحت إدارته، وهذا الأسلوب يجعل جميع القرارات مرتبطة بمكتب المحافظ، ويترك الدوائر الأخرى محدودة الاستقلالية في اتخاذ القرارات، مما يؤثر على سرعة تنفيذ المشاريع الخدمية وكفاءة متابعة احتياجات المواطنين.
وأوضح الخطيب أن بلدية حلب لا تعمل كبنية مستقلة بذاتها، بل تُقسم إلى قطاعات متفرقة، ويجري التنسيق بين كل قطاع والمديريات المعنية لضمان متابعة شؤون المواطنين وتقديم الخدمات الأساسية بشكل مستمر. لذلك، يعتمد المشروع الجديد على التنسيق المركزي بين القطاعات لضمان سير العمل اليومي، من دون وجود وحدات بلدية مستقلة لكل منطقة أو كتلة، مما يوضح الطابع المركزي للنظام الإداري في المدينة.
وأشار الخطيب إلى أن الصلاحيات الممنوحة لكل مسؤول عن الكتل محددة وفق المواد الرسمية المعتمدة، ما يقلل من التداخل الإداري ويمنح وضوحاً في المسؤوليات، لكنه أيضاً يحد من قدرة المسؤولين على الابتكار واتخاذ القرارات بشكل مستقل.
هل يُطبق النموذج التركي في حلب؟
وحول فكرة تطبيق نموذج الإدارة المحلية التركي في محافظة حلب، بيّن الخطيب أن مشروع تقسيم حلب لا يشبه بتاتاً النموذج التركي الذي يعتمد على فصل السلطة التنفيذية عن السلطة المركزية، موضحاً أن أي محاولة لتطبيق هذا النموذج في حلب تحتاج إلى مرسوم رسمي وتعديل شامل لقانون الإدارة المحلية في كامل سوريا، وليس مجرد قرار محلي صادر عن المحافظة.
وقال: “النظام التركي يعتمد على منح البلديات داخل المحافظات استقلالية أكبر، ويكون لكل بلدية مجلس منتخب ورئيس بلدية يتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة شؤون المنطقة، بما يشمل تقديم الخدمات العامة، والإشراف على المشاريع المحلية، وإعداد الميزانيات الخاصة بالبلدية من دون الحاجة إلى موافقة مركزية دائمة، وهذا الشيء غير مذكور في مشروع التقسيم الإداري للمحافظة”.
تفاصيل الكتل الإدارية الجديدة في حلب
- الكتلة الأولى تشمل مجموعة من الأحياء القديمة والشعبية وهي: ألمجي، قسطل المشط، الجلم، الفرافرة، صاجليخان، محمد بك، الأعجام، العقبة، بيت محب، قيول، ابن يعقوب، براج، بلاط، وضوضو، قلعة شريف، والقصيلة. وتتميز هذه الكتلة بكثافة سكانية مرتفعة وتحتاج إلى متابعة دقيقة لضمان تقديم الخدمات بشكل متكافئ.
- الكتلة الثانية تضم الأحياء الحيوية مثل: الإسماعيلية، الجميلية، العزيزية، محطة بغداد، العروبة، الحميدية، الجابرية، السليمانية، السريان، الزهور، طارق بن زياد، الأشرفية، الشيخ مقصود، تشرين، الرصافة، الليرمون، الشيخ أبو بكر، جبل الغزالات، سليمان الحلبي، الشيخ خضر، الشيخ فارس، تراب الهلك، عين التل، الحيدرية، الصاخور، العويجة، البكارة، ومخيم حندرات. وتمثل قلب المدينة التجاري والإداري وتحتاج إلى تنسيق مستمر بين مختلف المديريات لضمان فعالية العمل.
- الكتلة الثالثة تضم: هنانو1 و2 و3، الباسل، الحلوانية، جورة عواد، ضهرة عواد، كرم الجبل، قارلق، تربة لالا، كرم القاطرجي، كرم ميسر، دويرينة، جبرين، المالكية، النيرب، مضاف النيرب، النيرب جنوبي، وتتميز بـمزيج من الأحياء السكنية والتجارية.
- الكتلة الرابعة تضم: مقر الأنبياء، محمد بك، باب المقام، الصالحين، الفردوس، كرم الدعدع، الكلاسة، بستان القصر، المشارقة، الإذاعة، سيف الدولة، صلاح الدين، أرض الصباغ، أنصاري مشهد، سعد الأنصاري، السكري، تل الزرازير، الشيخ سعيد، وهي تجمع بين الأحياء القديمة والمناطق الجديدة.
- الكتلة الخامسة تشمل: الكواكبي، المحافظة، السبيل، معهد حلب العلمي، الفرقان، الشهباء، الخالدية، الوفاء، الغزالي، الزهراء، النصر، حلب الجديدة، الحمدانية، الراشدين، كفر داعل، وخان العسل، وتضم مناطق سكنية وتجارية حديثة، وتحتاج إلى متابعة ميدانية دقيقة لضمان توازن الخدمات بين جميع أجزائها.
المسؤولون الإداريون للكتل الجديدة
أعلنت محافظة حلب أسماء المسؤولين عن الكتل الإدارية الجديدة:
- مسؤول الكتلة الأولى: محمد ياسر مولوي (1977)، دبلوم إدارة أعمال وإدارة طبية، خريج كلية الأوزاعي للعلوم الشرعية، ذو خبرة واسعة في الإدارة الصحية واللوجستية.
- مسؤول الكتلة الثانية: حمود علي الشيخ كياري (1985)، إجازة في العلوم الإسلامية، دبلوم التأهيل التربوي، وماجستير تمهيدي في النظم السياسية، خبراته تغطي المجالات الدعوية والتربوية والسياسية.
- مسؤول الكتلة الثالثة: أحمد عبد الناصر ترمانيني (1990)، بكالوريوس في العلوم الإسلامية، ماجستير في التجارة والإدارة الدولية، وماجستير في العلوم الإسلامية، ذو خبرة واسعة في الإدارة والتنمية والحوكمة.
- مسؤول الكتلة الرابعة: محمد بكري منافيخي (1979)، إجازة في الحقوق، ماجستير في القانون العام، خبراته تشمل الحوكمة والمتابعة والتقييم.
- مسؤول الكتلة الخامسة: الدكتور هيثم الهاشمي (1976)، بكالوريوس طب الأسنان، خبرة في الرعاية الطبية والإدارة التنفيذية للشركات والأنشطة الخدمية.
صلاحيات بلا مساءلة
قال الناشط الحقوقي والمحامي أحمد بكور لموقع تلفزيون سوريا، إن القرارات الأخيرة المتعلقة بتقسيم حلب إلى كتل إدارية تثير إشكاليات قانونية حول مدى توافقها مع مبدأ اللامركزية المنصوص عليه في التشريعات الوطنية.
وبيّن أن منح المحافظ صلاحيات واسعة في تسمية منسّقين أو رؤساء كتل دون وجود آلية واضحة للمساءلة أو المشاركة الشعبية قد يُعيد إنتاج المركزية التي شكّلت عبئاً على إدارة المدن الكبرى.
وأضاف بكور أنه من حق الأهالي معرفة الأسس القانونية والوظيفية التي استند إليها هذا القرار، وكذلك ما إذا كانت التعيينات تستند إلى كفاءة حقيقية أم إلى اعتبارات إدارية بحتة.
ورأى أن التفكير في تطوير الخدمات وتوزيع المسؤوليات خطوة إيجابية، لكن دون إغفال مبدأ الرقابة والمحاسبة، لأنه الضامن الوحيد لنجاح أي تجربة إدارية جديدة.
وبحسب المحامي بكور، فإن الإصلاح الإداري لا يُقاس بعدد القرارات، بل بمدى احترامه للقانون وحقوق المواطنين في المشاركة وصنع القرار المحلي.
خطوة تنظيمية أم عودة للمركزية؟
رأى الناشط المدني العامل في المركز المدني لمدينة الأتارب، جميل عفان، أن تقسيم مدينة حلب إلى كتل إدارية يحمل بعدين متناقضين: أحدهما خدمي تنظيمي، والآخر سياسي اجتماعي.
وأوضح في حديث مع موقع تلفزيون سوريا، أن نجاح هذا الإجراء لا يرتبط بعدد الكتل أو بأسماء المسؤولين عنها، بل بمدى قدرة المحافظة على إشراك الأهالي في صنع القرار المحلي، وعدم الاكتفاء بالإدارة من الأعلى.
وأضاف أن التجربة السابقة في المجالس المحلية أثبتت أن المواطن، حين يُمنح مساحة للمشاركة، يصبح جزءاً من الحل لا عبئاً على الإدارة.
وأشار إلى أن أي مشروع تقسيم لحلب يجب أن يبنى على قاعدة الشفافية، وأن يُفتح المجال أمام المجتمع الأهلي والنقابات لتقديم مقترحاتهم، بدلاً من أن يتحول إلى خطوة بيروقراطية تدار بالتكليف فقط.
وختم العفان بالتأكيد على أن حلب في أمس الحاجة اليوم إلى إدارة مرنة ولامركزية حقيقية تُعيد الثقة بين المواطن والسلطة المحلية، وتُشعر الناس أن صوتهم مسموع في رسم مستقبل مدينتهم.
يشار إلى أن إحصاءات معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب (UNITAR) لعام 2019 أظهرت أن محافظة حلب هي الأكثر تدميراً في سوريا، بوجود 4773 مبنى مدمراً كلياً، و14680 مبنى مدمراً بشدة، و16269 مبنى مدمراً جزئياً، ليبلغ مجموع المباني المتضررة 35722 مبنى.














