منذ بدء تطبيق قرار حظر تظليل زجاج السيارات (الفيميه) مطلع تشرين الثاني/نوفمبر الجاري في مدينة حلب، ثم تعميمه لاحقاً على مدن وبلدات الريف، تصاعد الجدل في الأوساط الشعبية حول جدوى الخطوة وانعكاساتها على الأمن الشخصي، ففي حين تؤكد الجهات المعنية أن الإجراء يهدف إلى ضبط المخالفات وتعزيز السلامة المرورية، يرى عدد من الصحفيين والتجار وأصحاب الورش الصناعية أن القرار يضعهم في مواجهة مخاطر أكبر، ولا سيما مع تزايد حوادث سرقة السيارات وكسر زجاجها بعد مراقبة محتوياتها من الخارج، ويطالب هؤلاء باستثنائهم من الحظر بدواعٍ أمنية، معتبرين أن “الفيميه” يشكل في حالات كثيرة وسيلة حماية لممتلكاتهم ولعملهم اليومي.
مطالب باستثناءات
استطلع موقع تلفزيون سوريا آراء عددٍ من الصحفيين والناشطين في محافظة حلب حول قرار حظر تظليل زجاج السيارات وآلية مخالفته، حيث عبّر معظمهم عن رفضهم للصيغة الحالية للقرار، معتبرين أنه لا يراعي احتياجات فئات معينة تعتمد على التظليل الجزئي كوسيلة لتعزيز سلامتها الشخصية. وأشار المستطلَعون إلى أن الانتشار الواسع لحالات السرقة في أحياء المدينة يجعل من قرار الحظر إجراءً قد يزيد من تعرضهم للخطر، بدل أن يحدّ منه. كما انتقدوا الطريقة التي جرى بها تطبيق القرار بشكل مفاجئ، من دون منح أصحاب السيارات مهلة زمنية لإزالة التظليل، ما تسبب بتعرض كثيرين للمخالفة فور بدء تنفيذه.
لا يقتصر الاعتراض على قرار حظر تظليل الزجاج على الصحفيين والناشطين فحسب، فالتجار وأصحاب الورش الصناعية عبّروا هم أيضاً عن استيائهم من عدم شمولهم بأي استثناءات. ويؤكد عدد ممن التقاهم موقع تلفزيون سوريا أنهم لجؤوا إلى “الفيميه” بعد تعرض سياراتهم سابقاً لحوادث سرقة، معتبرين أن القرار الجديد قد يعيدهم إلى دائرة الخطر.
ويقول أبو أحمد، وهو صاحب ورشة خياطة في حي القاطرجي بحلب: “كثيراً ما أحتفظ في سيارتي بمبالغ مالية بحكم عملي، إلى جانب أوراق خاصة ومستلزمات ضرورية، لذلك قمت بتظليل الزجاج بدرجة عالية كي لا يتمكن السارقون من رؤية ما بداخل السيارة ويغريهم ذلك بكسر الزجاج، أما اليوم، وبعد فرض الحظر، فأنا مضطر لحمل أغراضي معي بشكل دائم أو استئجار كراج لحماية السيارة”.
كسر زجاج السيارات وسرقتها
يؤكد المعترضون على قرار حظر تظليل الزجاج أن الجهات المعنية مطالَبة أولاً بمعالجة ظاهرة سرقة السيارات المتصاعدة قبل الإصرار على تنفيذ الحظر، ويرى هؤلاء أنه في حال تعذر ضبط هذه السرقات، فمن الضروري منح استثناءات محددة تتيح لفئات معينة استخدام التظليل لأسباب تتعلق بالسلامة الشخصية وحماية الممتلكات.
ويشير جزء من المنتقدين إلى أن القرار يأتي في غير أوانه، معتبرين أنه ترفٌ إداري في ظل أولويات أكثر إلحاحاً ينبغي على المحافظة والأجهزة الأمنية التركيز عليها، مثل تحسين مستوى النظافة، وتعزيز الرقابة على المستشفيات والمواصلات والأسواق، إضافة إلى تطوير الخدمات العامة التي تمس حياة السكان اليومية بشكل مباشر.
وخلال الأشهر الماضية شهدت حلب سلسلة من السرقات طالت عشرات السيارات، من بينها ما لا يقل عن ثماني سيارات تعود لصحفيين، ما دفع كثيرين منهم إلى اعتبار “الفيميه” أحد إجراءات الحماية الأساسية في مدينة تشهد ارتفاعاً واضحاً في معدل السرقات.
يقول أبو محمود، وهو ناشط مدني في حلب، لموقع تلفزيون سوريا إنه تعرض لسرقة سيارته خلال حضوره احتفالية افتتاح قلعة حلب بعد ترميمها قبل فترة قصيرة. ويوضح أن السيارة كانت تحتوي على متعلقات شخصية ومبلغ يقدر بنصف مليون ليرة سورية، إضافة إلى شواحن هاتف ولوازم يستخدمها بشكل يومي ويحتفظ بها عادة داخل مركبته. ويضيف: “وجدت زجاج الباب المقابل لمقعد السائق مكسوراً بالكامل، وكانت السيارة فارغة من كل محتوياتها”.
ويشير أبو محمود إلى أنه لم يتقدم ببلاغ للأجهزة الأمنية، معتبراً أن انتشار سرقات السيارات بشكل واسع وتصاعدها المستمر يجعله متيقناً من عدم إمكانية استعادة ما فقده.
مؤيدو القرار
في مقابل الأصوات المعترضة والمطالِبة باستثناءات، برزت شريحة واسعة من الحلبيين تؤيد قرار حظر تظليل الزجاج، وترى فيه خطوة ضرورية لتعزيز الأمن والحد من الجرائم التي غالباً ما تُستخدم فيها السيارات المظللة لإخفاء هوية مرتكبيها. وقال مصدر محلي في حلب لموقع تلفزيون سوريا: “كثير من الجرائم كانت ترتكب بسيارات مفيمة، وإزالة التظليل إجراء مهم لتنظيم المرور وحماية الأهالي، خصوصاً في المناطق المزدحمة والطرق الفرعية”.
ويرى مؤيدون آخرون أن قرار الحظر قد يساهم أيضاً في منع عودة مظاهر “التشبيح” التي ارتبطت في ذاكرة السوريين بالسيارات المظللة خلال فترة النظام المخلوع، حين كان التظليل رمزاً للنفوذ والخوف والاستعلاء الاجتماعي، ما يجعل التخلص منه، بحسب رأيهم، خطوة نحو تعزيز الشعور بالمساواة والحد من الممارسات التعسفية.
وتعاني مدينة حلب منذ أشهر من أزمة مرور خانقة، ولا سيما خلال أوقات الذروة والدوام الرسمي، نتيجة للازدحام الكبير في المحاور الرئيسة وارتفاع مستوى المخالفات، مثل الوقوف العشوائي، وتجاوز الإشارات، والاصطفاف على الرتل الثاني. وتؤكد مصادر في إدارة المرور أن هذه المظاهر كانت من أبرز الدوافع وراء إطلاق الحملات الأخيرة، في محاولة لتخفيف الازدحام وتحسين انسيابية الحركة داخل المدينة.
وبين مؤيد يرى في الحظر خطوة نحو ضبط الأمن والحد من الجرائم، ومعترض يخشى تبعاته على سلامته وممتلكاته، يبقى قرار منع “الفيميه” ملفاً إشكالياً يعكس عمق التحديات اليومية التي يعيشها الحلبيون، وفي مدينة تطاردها أزمات الخدمات والمرور والسرقات على حد سواء، يبدو أن الطريق نحو حلول متوازنة يتطلب مقاربة أكثر شمولاً، تراعي الهواجس الأمنية من جهة، وتضمن حماية السكان وممتلكاتهم من جهة أخرى، وفي انتظار معالجة الأسباب الحقيقية التي تغذي الفوضى والسرقات، سيظل الجدل مستمراً حول ما إذا كان القرار خطوة في الاتجاه الصحيح أم عبئاً جديداً يضاف إلى قائمة أزمات حلب المتزايدة.













