الحكومة تكشف عن خطة ضبط توزيع المساعدات

بعد سقوط نظام الأسد المخلوع وعودة آلاف الأهالي المهجّرين إلى بيوتهم، بدأت الحكومة ومعظم الجمعيات والمنظمات الإنسانية بتكثيف جهودها لتقديم الدعم والمساعدات للعائدين، في محاولة لتعزيز الاستقرار وتشجيع العودة الطوعية، لكن هذا التوجّه لم يكن محلّ ترحيب من الجميع، إذ أثار استياء فئة واسعة من السكان الذين بقوا في مناطقهم خلال سنوات سيطرة النظام، وواجهوا الحصار وارتفاع الأسعار وندرة الخدمات الأساسية من دون أن تشملهم برامج الدعم.

ويشعر كثير من هؤلاء بأنهم باتوا “منسيين” في حسابات المساعدات الإنسانية، رغم أنهم تحمّلوا تبعات الحرب بكل تفاصيلها، من انقطاع الموارد إلى فقدان سبل العيش، في المقابل، يحصل العائدون والنازحون على دعم متكامل يشمل المساعدات الغذائية والمالية وإعادة تأهيل المساكن، ما ولّد إحساساً متزايداً بالظلم والتهميش داخل المجتمع المحلي.

ويرى عدد من العاملين في الشأن الإنساني أن استمرار هذا التفاوت في توزيع المساعدات قد يؤدي إلى شرخ اجتماعي جديد بين فئات المجتمع السوري، في وقت ما تزال فيه البلاد بحاجة إلى تعزيز التماسك والتكافل بعد أكثر من عقد من الحرب والدمار.

العدالة في توزيع المساعدات

وفي حديث لموقع تلفزيون سوريا قال عمار صبحي، منسّق أحد مراكز جمعية عون الخيرية للإغاثة والتنمية بالتعاون مع مفوضية شؤون اللاجئين (UNHCR) في حمص، إن المجتمع السوري انقسم منذ البداية إلى فئتين رئيسيتين: النازحون الذين خرجوا إلى مناطق أكثر أماناً في الشمال السوري مثل إدلب أو إلى دول الجوار، والفئة التي بقيت تحت سيطرة النظام، وهذا الانقسام انعكس بشكل واضح على توزيع الخدمات والمساعدات الإنسانية.

وأضاف صبحي: “معظم المساعدات الدولية تركز على اللاجئين والنازحين، الذين يحصلون على دعم كامل سواء أكان غذائيا أم ماليا أم حتى لتغطية إيجار المنازل، في حين يعاني من بقي في مناطق سيطرة النظام من غلاء وضعف الخدمات، ما يجعل وضعهم المعيشي أسوأ بكثير”.

وحول تركيز المنظمات على دعم العائدين، أشار صبحي إلى أن المنظمات تهدف من ذلك إلى حلّ مشكلة اللاجئين والنازحين، فتقديم المساعدات لهم، سواء كانت مادية أو نفسية أو لإعادة الإعمار، يساعد على تشجيع عودتهم إلى مجتمعاتهم ويشكّل حلاً جذرياً لأزمة النزوح، خصوصاً في المناطق المدمّرة أو التي دُمّرت فيها البيوت بالكامل.

وتابع: “هذا التفاوت في المساعدات له تأثير كبير على التماسك الاجتماعي، إذ يشعر المجتمع المضيف – أي الذين بقوا في مناطقهم تحت سيطرة النظام – بالظلم والتهميش، ما قد يؤدي إلى تفاقم الانقسامات داخل المجتمع مستقبلاً”.

وفيما يتعلّق بإمكانية طرح هذه القضية في تقرير إعلامي، شدّد صبحي على أن التغطية الإعلامية قد تساعد في تصحيح سياسات الدعم من خلال تسليط الضوء على الظلم الاجتماعي وإعادة النظر في تقييم احتياجات الناس على أرض الواقع.

وختم البشير بالقول: “إن الرسالة الأساسية التي نسعى إلى إيصالها هي إعادة النظر في معايير توزيع المساعدات الإنسانية، والنظر إلى الشعب السوري كشعب واحد دون تقسيم فئات، مع تقديم المساعدات بحسب الاحتياجات الفعلية لكل فرد، بعيداً عن أي انحياز أو تصنيف”.

أصوات تنادي بالإنصاف

وحول موقف المجتمع المضيف، قال أبو يوسف، وهو متزوج وأب لخمسة أطفال يعيش في منطقة الحولة بريف حمص، لموقع تلفزيون سوريا، إنه يشعر باستياء شديد من جراء استثناء أبناء منطقته من المساعدات الإنسانية التي تُقدَّم حصراً للعائدين والنازحين فقط.

وأضاف أنه يشعر بأنه من الفئات المهمّشة في المجتمع، حيث يتركز اهتمام المنظمات الإنسانية على فئة اللاجئين والنازحين، بينما يتم تجاهل من بقوا في مناطقهم رغم أنهم أيضاً بأمسّ الحاجة إلى المساعدة، وعبّر عن إحساسه بالظلم قائلاً: “إن هذا التوزيع غير عادل ولا يراعي الاحتياجات الحقيقية على الأرض”.

من جهته، لفت عمر الخالد من مدينة حمص إلى أنه حاول أكثر من مرة التسجيل للحصول على المساعدات من منظمات إنسانية، سواء في مراكز الإغاثة أو التنمية في منطقته، إلا أن جميع محاولاته باءت بالفشل، ولم يحصل على أي دعم أو خدمة رغم حاجته الشديدة، مشيراً إلى أنه لجأ إلى كل السبل الممكنة للتسجيل حتى وصل إلى مرحلة اليأس، بسبب غياب أي استجابة من الجهات المعنية.

وبيّن الخالد أن غياب المساعدات الإنسانية أثّر بشكل كبير على معيشته اليومية، خاصة أنه لا يملك دخلاً ثابتاً، وأن المساعدات السابقة – سواء كانت غذائية أو غير غذائية – كانت تُحدث فرقاً ملموساً في معيشته ومعيشة الأسر المحدودة الدخل.

وتابع: “تلك المساعدات كانت تشمل مواد غذائية شهرية، وأدوات منزلية أساسية مثل البطانيات والطُّراحات وأدوات المطبخ، إضافة إلى حفاضات الأطفال والمنظفات”، مؤكداً أن هذه المساعدات كانت تلبي جزءاً كبيراً من احتياجات أي منزل فقير.

ودعا في ختام حديثه إلى أن تنظر المنظمات الإنسانية إلى الشعب السوري كشعب واحد، دون أي تقسيمات أو تصنيفات بين نازح ولاجئ ومقيم، قائلاً: “فنحن جميعاً أبناء بلد واحد عانى ويلات الحرب والانقسام”.

مساعدات تُرمم ما هدمته الحرب

أما بالنسبة لموقف النازحين واللاجئين العائدين إلى مناطقهم، فقال عمار الياسين، وهو نازح من مدينة حمص إلى الشمال السوري، لموقع تلفزيون سوريا: “أشعر بامتنان كبير للدعم الذي تقدّمه المنظمات الدولية العاملة في شؤون اللاجئين والنازحين”، مؤكداً أنه من الأشخاص الذين هم بأمسّ الحاجة إلى هذه المساعدات، وأن تسليط الضوء من قبل هذه المنظمات على احتياجات النازحين أسهم بشكل كبير في تحسين حياتهم وتعويض جزء من المعاناة التي مرّوا بها.

وأردف الياسين: “أنا واحد من آلاف السوريين الذين فقدوا منازلهم بسبب القصف واضطرّوا إلى التهجير، وكانت رحلة النزوح مملوءة بالآلام والحرمان”، ومع ذلك يرى أن وجود المنظمات الإنسانية كان له أثر بالغ في التخفيف من تلك المعاناة، من خلال تلبية مختلف الاحتياجات الأساسية وتقديم المساعدات المتنوعة.

ولفت إلى أن تلك المساعدات شملت مواد غذائية وغير غذائية، ومساعدات مالية، إضافة إلى دعم إعادة الإعمار، ما أسهم في تحسين ظروفهم المعيشية ومنحهم الأمل مجدداً. وأشار إلى أن هذه الجهود الإنسانية، سواء في توفير أساسيات المنازل أو الدعم الغذائي والطبي، وحتى خدمات ذوي الاحتياجات الخاصة، كان لها دور كبير في تشجيعه على العودة إلى بلده وإعادة بناء حياته واستقراره من جديد.

وأكد أن هذه المبادرات الإنسانية تشكّل جسراً حقيقياً نحو الاندماج من جديد في المجتمع، وأن استمرار الدعم سيسهم في تعزيز الاستقرار وإعادة الأمل للنازحين الراغبين في العودة إلى مناطقهم.

وزارة الشؤون الاجتماعية تعلن: قريباً إطلاق منصة خاصة لمتابعة توزيع المساعدات

وحول دور وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في مراقبة توزيع المساعدات الإنسانية، قالت مي برازي، مستشارة الوزيرة لشؤون اللاجئين والنازحين داخلياً، في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا: “إن التأكد من توزيع المساعدات وفق منهجية واضحة وشفافة وعادلة يُعدّ من أبرز مهام الوزارة في المرحلة الجديدة”.

وأضافت: “صُدمنا بأن العمل الميداني ومراقبة المساعدات والخدمات لم يكن جزءاً من مهام الوزارة قبل التحرير، وعليه تعمل مديريات الشؤون في جميع المحافظات على متابعة المساعدات واستقبال الشكاوى من المستفيدين”.

وكشفت برازي لموقع تلفزيون سوريا أن الوزارة ستُطلِق منصة “تشارك” قريباً، والتي سيتم من خلالها تسجيل جميع المنظمات غير الحكومية المعتمدة من الوزارة، وستعمل المنصة على متابعة المساعدات والتأكد من وصولها إلى المستحقين بطريقة لائقة ومنظَّمة.

وعن وجود آلية لدى الوزارة لضمان وصول الدعم إلى جميع الفئات من دون تمييز، أوضحت برازي أن الوزارة تعمل على إنجاز السجل الاجتماعي الموحّد، وهو قاعدة بيانات مركزية تُجمع فيها معلومات شاملة عن الأسر لتحديد استحقاقهم للمساعدات بشكل عادل، بما يضمن وصول الدعم إلى من هم فعلاً بحاجة إليه ويمنع الازدواجية في تقديم الخدمات.

وقالت المستشارة: “منذ نحو أسبوع، تم تشكيل فريق في الوزارة مهمته الأساسية زيارة أماكن النزوح وأماكن العودة لتقييم الخدمات الاجتماعية، ومن يقدّمها وكيف تُقدَّم، ونعمل حالياً على تدريب هذا الفريق وتجهيزه بالمهارات والأدوات المناسبة ليقوم بمهامه بكفاءة”.

وتابعت: “كما ستعمل الوزارة، بالتعاون مع مديريات الشؤون والبلديات ومنظمات المجتمع المدني، على إيجاد الحلول المناسبة، وتتواصل مع منظمات الأمم المتحدة لتزويدها بالمقترحات بناءً على نتائج التقييم، بحيث تشمل مساعداتهم من هم أكثر احتياجاً”.

وحول التعامل مع شكاوى الأهالي الذين يشعرون بالتهميش من الجمعيات الإنسانية، أكدت مي برازي أن الوزارة تتابع جميع الشكاوى الواردة إليها عبر موظفيها أو من خلال المديريات المختلفة، مشيرةً إلى أن الوزارة تتعامل مع تلك الشكاوى بجدية، ويقوم موظفوها بالتواصل مع الجمعيات والمنظمات المعنية للقيام بما يلزم.

أولوية الوزارة إنجاز السجل الاجتماعي الموحّد

وأوضحت المستشارة أن موظفي الوزارة يشاركون في جميع الاجتماعات التنسيقية مع المنظمات الدولية، غير أن التحدي الأكبر، كما أشارت، هو نقص البيانات الدقيقة التي تُمكّن من تفعيل المساعدات وتوجيهها إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

وأضافت أن الوزارة تعمل حالياً مع شركائها وعدد من الوزارات الأخرى على جمع هذه البيانات، مشددةً على أنه “لا يمكن معرفة من هم الأكثر حاجة وأماكن وجودهم دون قاعدة بيانات دقيقة”.

كما لفتت إلى أن عودة النازحين واللاجئين تمثّل تحدياً إضافياً، فعلى الرغم من الترحيب بهذه العودة، فإن تغيّر أماكن سكن العائدين يجعل من الصعب توجيه المساعدات بشكل فعّال ومناسب.

ومن أولويات الوزارة حالياً، بحسب ما أوضحت مي برازي، دعم المجتمع المدني وتفعيل دوره كشريك أساسي في توجيه الدعم بطريقة تحفظ كرامة الأفراد، إلى جانب جذب التمويل للمشاريع الإغاثية، وإنجاز السجل الاجتماعي الموحّد.

وبيّنت برازي أن السجل الاجتماعي الموحّد سيُحدَّث بشكل دوري لمواكبة تغيّرات أوضاع الأسر، وسيُربط بعدد من الجهات الرسمية مثل السجل المدني في وزارة الداخلية ووزارتي الصحة والتربية، بما يسهم في رفع دقة البيانات ومنع التلاعب. كما ستُتاح آلية اعتراض شفافة لمن يُرفض طلب دعمه، لضمان العدالة والمساءلة، مع اعتماد منهجية تُبسّط إجراءات التسجيل وتُسهِّل الوصول إلى الخدمات.

وستعمل الوزارة أيضاً على توفير الموارد اللازمة لضمان كفاءة عمل السجل، وستسعى إلى ربط المساعدات ببرامج تمكين اقتصادي تُمكّن المستفيدين من الانتقال من مرحلة الاعتماد على الدعم إلى المشاركة الفاعلة في المجتمع.

Related Posts

سوق دمشق للأوراق المالية.. منصة لتحريك المدخرات ودعم الاستثمار في الاقتصاد السوري

تشكّل سوق دمشق للأوراق المالية مرآةً لحركة الاقتصاد الوطني، ومؤشراً لاتجاهات النشاط الاستثماري، بوصفها منصة مالية تسهم في توجيه المدخرات نحو الاستثمار المنتج وتمويل الشركات، بما يدعم توسعها ونموها. وتبرز…

الأردن يدين المخطط الإرهابي التخريبي لاستهداف الكويت

أدان الأردن اليوم الثلاثاء بأشد العبارات المخطط الإرهابي التخريبي الذي استهدف دولة الكويت، مشيراً إلى أنه محاولة مرفوضة لتهديد الأمن والاستقرار. وأكدّت وزارة الخارجية الأردنية في بيان نقلته وكالة الأنباء…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد فاتك المحتوي

الأردن يدين المخطط الإرهابي التخريبي لاستهداف الكويت

الأردن يدين المخطط الإرهابي التخريبي لاستهداف الكويت

البيت الأبيض: ناقلات النفط تبدأ بالعبور ببطء عبر مضيق هرمز

البيت الأبيض: ناقلات النفط تبدأ بالعبور ببطء عبر مضيق هرمز

اليونسكو: عشرات ملايين الأطفال يواجهون اضطراباً تعليمياً في الشرق الأوسط جراء الحرب

اليونسكو: عشرات ملايين الأطفال يواجهون اضطراباً تعليمياً في الشرق الأوسط جراء الحرب

هل عززت الحرب قبضة النظام الإيراني بدل إسقاطه؟

هل عززت الحرب قبضة النظام الإيراني بدل إسقاطه؟

ضغوط في واشنطن لإيقاف الحرب ولاستمرارها.. لمن يستمع ترمب؟

ضغوط في واشنطن لإيقاف الحرب ولاستمرارها.. لمن يستمع ترمب؟

لندن تدرس إرسال مسيّرات لتأمين هرمز والتصدي لهجمات إيران

لندن تدرس إرسال مسيّرات لتأمين هرمز والتصدي لهجمات إيران

هل تسببت الضربات الإيرانية في خسارة الاتحاد أمام الرياض؟

هل تسببت الضربات الإيرانية في خسارة الاتحاد أمام الرياض؟

لاعبتان إيرانيتان تتراجعان عن اللجوء في أستراليا

لاعبتان إيرانيتان تتراجعان عن اللجوء في أستراليا

الإمارات والأردن تبحثان التطورات الإقليمية والتصعيد العسكري في المنطقة

الإمارات والأردن تبحثان التطورات الإقليمية والتصعيد العسكري في المنطقة

الدفاعات الإماراتية تتعامل مع 7 صواريخ باليستية و27 طائرة مسيرة إيرانية

الدفاعات الإماراتية تتعامل مع 7 صواريخ باليستية و27 طائرة مسيرة إيرانية

الرئيس الشرع يستقبل في دمشق وفداً أردنياً رفيع المستوى

الرئيس الشرع يستقبل في دمشق وفداً أردنياً رفيع المستوى

القنصلية السورية في بون تنجز أكثر من 500 معاملة يومياً بعد شهر من افتتاحها

القنصلية السورية في بون تنجز أكثر من 500 معاملة يومياً بعد شهر من افتتاحها