سامي الملا – البوصلة
يشكل الحوار السياسي في موريتانيا أحد أبرز الملفات المطروحة في المشهد الوطني خلال السنوات الأخيرة، رغم غياب دوافع سياسية أو اجتماعية ضاغطة تُلجئ الأطراف إلى طاولة واحدة. ومع ذلك، ظل نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني متمسكًا بإعادة طرح الحوار بعد كل استحقاق رئاسي، باعتباره آلية لامتصاص التوتر وإعادة ترتيب موازين الفاعلين السياسيين، في وقت تعيش فيه المعارضة مرحلة إعادة تشكل وتراجع في الحضور.
سياق الدعوة إلى الحوار
تعثر أول حوار سياسي أطلقه النظام سنة 2021، ما دفع الساحة الحزبية إلى إعادة ترتيب مواقعها قبل دخول سلسلة الانتخابات التشريعية والبلدية والجهوية، وصولًا إلى الانتخابات الرئاسية لعام 2024 التي أعادت خلط الأوراق مجددًا. ومع بداية مارس/آذار 2025، عاد الرئيس لطرح حوار بصيغة أكثر شمولًا دون شروط مسبقة، مع التأكيد على معالجة ملفات الحوكمة، مكافحة الفساد، حقوق الإنسان، والإطار الانتخابي بصورة كلية.
تم تكليف موسى أمباي فال بقيادة المرحلة التحضيرية خلال فترة زمنية حُددت بشهرين لجمع المقترحات، إلا أن المسار واجه مبكرًا تحديًا سياسيًا يتعلق بموقف النائب المعارض بيرام الداه اعبيد، الذي اشترط ضمانات رئاسية مباشرة حول ملفات يعتبرها محورية مثل العدالة الاجتماعية والإرث الإنساني.
بيرام الداه اعبيد: بين شروط المشاركة وورقة الضغط
يعتبر النظام مشاركة بيرام عنصرًا مهمًا لمنح الحوار مصداقية داخلية ووزنًا خارجيًا، خصوصًا أنه يتمتع بحضور انتخابي وارتباطات حقوقية دولية. وفي المقابل، يوظف بيرام هذا الثقل لتعزيز موقعه داخل المعارضة على حساب أحزاب تقليدية فقدت بعض حضورها الشعبي.
ورغم استجابة منسق الحوار لعدد من الملاحظات، بقي بيرام متحفظًا على المشاركة ما لم تتوفر ضمانات مباشرة من الرئيس. ويطرح شروطًا يرى أنها ضرورية لضمان جدية الحوار، معتبرًا أن الملفات المطروحة ليست تقنية بل تمس البنية السياسية والاجتماعية للدولة.
المسار التحضيري للحوار ونتائجه
بعد نحو سبعة أشهر من العمل، قدّم موسى فال تقريره إلى الرئيس في 13 أكتوبر 2025، متضمنًا مواقف الأحزاب والقوى الوطنية. وأظهرت الحصيلة مشاركة واسعة من الطيف السياسي والمجتمعي، باستثناء بيرام الداه اعبيد وحزب العدالة والتنمية.
جاءت الأولويات المتفق عليها نتيجة تجميع آراء المشاركين، حيث تصدرت ملفات الوحدة الوطنية، الإرث الإنساني، إصلاح المنظومة الانتخابية، والحكامة الاقتصادية. ويعكس هذا تقاربًا نسبيًا بين مواقف المعارضة والموالاة، ودرجة من النضج السياسي اللازم لإنتاج توافقات فعلية.
معوقات انطلاقة الحوار
برزت ثلاث معوقات رئيسية أثرت في المسار:
- ضعف الخلفية السياسية التنفيذية لمنسق الحوار مقابل ميله إلى الطابع الاستشاري.
- اعتماد كبير على الرأي الشخصي ما أثر على دوره كوسيط.
- ضعف قنوات التواصل مع بعض الفاعلين المعارضين المؤثرين.
هذه المحددات أعادت إنتاج مناخ التعثر الذي عرفته تجارب حوارية سابقة.
الحوار في ظل بيئة داخلية وإقليمية ضاغطة
تفرض التحديات الإقليمية—خصوصًا التوتر الأمني في منطقة الساحل والحدود مع مالي—ضرورة تعزيز التماسك الداخلي. كما تلقي ملفات الهجرة والحدود بظلالها على السياسات الداخلية، إلى جانب تحديات داخلية متعلقة بالحوكمة، التفاوتات الاجتماعية، والقضايا الشبابية.
ورغم ذلك، ينحصر الحوار غالبًا في منطق سياسي حزبي أكثر من كونه نقاشًا عامًا حول قضايا المجتمع الحيوية، ما يقلل من قدرته على تقديم حلول شاملة.
خاتمة
تواجه موريتانيا تحديات بنيوية تتعلق بضعف المؤسسات والحوكمة والتفاوتات الاجتماعية. وفي ظل حاجة البلاد إلى رؤية وطنية جامعة، يبقى الحوار السياسي في موريتانيا فرصة لإرساء توافقات تؤسس لإصلاحات فعلية. ومع ذلك، فإن نجاحه يتطلب إرادة سياسية صادقة، واستعداد الأطراف لتحمل مسؤولياتها بعيدًا عن الحسابات الظرفية، حتى لا يبقى الحوار مجرد عنوان دون أثر ملموس في واقع الدولة والمجتمع.














